تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 368

مساهمون:

ص٣٦٨
نوع منها عمرا طبيعيّا أكثر ما يمكن منه ، ثم يجيئه الموت إن شاء أو أبى . وقد علم اللّه تعالى أنه يموت كل يوم منها في البر والبحر ، والسهل والجبل ، عدد لا يحصيه إلّا اللّه تعالى . ثم جعل بواجب الحكمة جثّة جيف موتاها غذاء لإحيائها ، ومادّة لبقائها ، لئلا يضيع شيء مما خلق اللّه تعالى بلا نفع ولا فائدة ، وكان في هذا منفعة لأجسادها ، ولم يكن فيه ضرر على الموتى . وخصلة أخرى ، لو لم تكن الأحياء تأكل جيف الموتى منها ، لبقيت تلك الجيف ، واجتمع منها على ممرّ الأيام والدهور ، حتى تمتلئ منها الأرض وقعر البحار ، وتنتن ويفسد الهواء والماء من نتن روائحها ، فيصير ذلك سببا لكونها وهلاكها للأحياء ، فأيّ حكمة أكثر من هذه أن جعل الباري تعالى في أكل الحيوانات بعضها بعضا من المنفعة للأحياء ، ودفع المضرّة عنها كلها ، وإن كانت تنال بعضها الآلام والأوجاع عند الذبح والقتل ؟ وليس قصد القابض من القاتل من ذبحها وقبضها ، إدخال الألم والوجع عليها ، بل لينال المنفعة فيها لدفع مضرّة بها .

فصل

ثم اعلم أن اللّه تعالى لما أبدع الموجودات ، واخترع الكائنات ، قسمها قسمين اثنين : كليّات وجزئيات . ورتّب الجميع ونظّمها مراتب الأعداد المفردات ، كما بيّنّا في رسالة المبادي . وكانت مرتبة الكليات أن جعل الأشرف منها علّة لوجود أدونها ، وسببا لبقائها ، ومتمما لها ، ومبلغا إلى أقصى غاياتها وأكمل نهاياتها . وكانت مرتبة الجزئيات أن جعل الناقص منها علّة للكامل وسببا لبقائه ، والأدون خادما للأشرف ومعينا ومسخّرا له . وبيان ذلك من النبات الجزئي : لما كان أدون رتبة من الحيوان الجزئي ، وأنقص حالة منه ، جعل جسم النبات غذاء لجسم الحيوان ، ومادّة لبقائه ،
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 368 | إخوان الصفاء