وجعل النفس النباتية في ذلك خادمة للنفس الحيوانية ، ومسخّرة لها . وهكذا أيضا لما كانت رتبة النفس الحيوانية أنقص وأدون من رتبة النفس الإنسانية ، جعلت خادمة ومسخّرة للنفس الإنسانية الناطقة . وهذه الحكمة التي ذكرناها كلية بيّنة ظاهرة للعقول السليمة . فنقول على هذا الحكم والقياس : لما كان بعض الحيوانات أتمّ خلقة وأكمل صورة كما بيّنّا قبل هذا ، جعلت النفس الناقصة منها خادمة ومسخّرة للتامة منها الكاملة ، وجعلت أجسادها غذاء ومادّة للأجساد الناطقة منها وسببا لبقائها ، لتبلغ إلى أتم غاياتها وأكمل نهاياتها ، كما جعل جسم النبات غذاء لجسم الحيوان ، ومادة لبقائه ، وسببا لكماله .
وكما أنه لما كانت النفس النباتية أدون رتبة من النفس الحيوانية ، جعلت خادمة للنفس الحيوانية ومسخّرة لها في رتبتها ، غذاء لها ومادة لأجسادها ، فهكذا جعل حكم نفوس الحيوانات الناقصة خادمة لنفوس الحيوانات التامّة الخلقة ، الكاملة ، ومسخرة لها لكيما تربي أجسامها وتنميها وتسلّمها إلى الحيوانات التي هي أكمل منها وأشرف ، ليكون ذلك غذاء لأجسادها ، ومادّة لأبدانها ، وسببا لبقاء أشخاصها زمانا ما أطول ما يمكن ، وعلة لتوالد نسلها وبقاء صورتها . لأن هيولى الأشخاص دائما في الذوبان والسيلان ، فيحتاج إلى بدل ما يتحلل من الأشخاص . فإذا قد تبين بما ذكرنا ما العلة في أكل الحيوانات بعضها بعضا . فأما المنفعة العامة والصلاح الكليّ في أكل الحيوانات بعضها بعضا فهو أنه لو لم يكن لامتلأ وجه الأرض وقعر البحار وجوف الأنهار من جيف الحيوانات المنتنة في كل يوم على ممرّ الدهور ، ولفسد جوّ الهواء ، وعرض من ذلك الوباء للأحياء منها ، وهلكت كلّها دفعة .
وعلة أخرى : وذلك أن اللّه لما خلق الأحياء ، إمّا لجرّ منفعة أو لدفع مضرّة عنها ، لم يترك شيئا بلا نفع ولا عائدة . فلو لم يجعل أكل بعض الحيوانات بعضها بعضا ، لكان بعض الحيوان باطلا بلا فائدة ، وكان يعرض منها ضرر عامّ وهلاك كلّيّ ، كما ذكرنا آنفا . فأما الآلام والأوجاع والفزع الذي
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 369
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٣٦٩