تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 365

مساهمون:

ص٣٦٥
يدعوها إلى الأكل والشرب ، ليخلف على أبدانها من الكيموس « 1 » بدل ما يتحلّل من البدن . لأن البدن في التحلّل دائما من أسباب خارجة وأسباب داخلة ، وأما الشهوات فلكيما تدعو إلى المأكولات المختلفة الموافقة لأمزجة أبدانها وما تحتاج إليه طباعها . وأما اللذة فلكيما تأكل بقدر الحاجة من غير زيادة ولا نقصان . فإن قيل : لم جعل للنفوس من الآلام والأوجاع والأفزاع عند الآفات العارضة لأجسادها ؟ قيل له : لكيما تحرص نفوسها على حفظ أجسادها من الآفات العارضة لها إلى وقت معلوم ، إذ كانت الأجساد لا تقدر على جرّ منفعة ، ولا دفع مضرّة عنها . فإن قيل : لم جعل بعض الحيوانات أكلة لحوم بعض ؟ قيل لكيما لا يضيع شيء مما خلق اللّه بلا نفع ، وذلك أنه قد تاهت أوهام العلماء وتحيّرت عقولهم في طلب علّة أكل الحيوانات بعضها بعضا ، وما وجه الحكمة منه ، إذ كان الباري جعل ذلك في طباعها جبلة ، وهيّأ بها آلات وأدوات تتمكن بها ، كأنياب ومخاليب وأظافير حداد ، التي تقدر بها على القبض ، والبسط ، والضّبط ، والخرق ، والنّهش ، والأكل ، والشهوة ، واللذة ، والجوع ، وما شاكل ذلك ، مهما يلحق المأكولات منها من الآلام والأوجاع والفزع عند الذبح والقتل والأمراض ! فلما تفكروا في ذلك ولم تسنح لهم العلّة ولا ما وجه العلّة والحكمة ، اختلفت عند ذلك بهم الآراء ، والتبست بهم المذاهب ، حتى قال بعضهم : إنّ تسلّط الحيوانات بعضها على بعض ، وأكل بعضها لبعض ليس من فعل الحكيم ، بل فعل شرير قليل الرحمة ، فلهذا قالوا : إن للعالم فاعلين : خيّر وشرير ! ومنهم من نسب ذلك إلى النجوم . ومنهم من قال : عقوبة لها لما سلف منها من الذنوب في الأدوار السالفة ، وهم أهل التناسخ . ومنهم من قال بالعرض . ومنهم من قال : إن هذا أصلح . ومنهم من أقرّ على نفسه بالعجز وقال :
هامش
( 1 ) الكيموس : الحالة التي يكون عليها الطعام بعد فعل المعدة فيه .