تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 364

مساهمون:

ص٣٦٤
الفسق والفجور ، وقتل الأنفس ، وقطع صلة الرّحم ، وإهراق الدماء ، وهتك الحرم ، وانتهاك المحارم ، والخروج عن الطاعة ، والحميّة الجاهلية ، والسرعة والعجلة ، وترك النظر في العواقب ، وقلّة الورع ، والإنكار لأمر المعاد والمنقلب بعد الموت ! ومن كانت هذه حاله في الدنيا فليس له في الآخرة إلّا العذاب . وأما كون عطارد ممازجا للكواكب ، ففيه دلالة على أن أمور الدنيا معلقة بأمور الآخرة ، ممازجة لها . وهكذا حكم البروج المنقلبة يدلّ على تقلّب أمور الدنيا وحالات أهلها . والبروج الثوابت تدلّ على ثبات أمور الآخرة وحالات أهلها . والبروج ذوات الجسدين تدلّ على أن أمور الدنيا متصلة بأمور الآخرة وممازجة لها . وأما كون العقدتين في الفلك ، اللتين إحداهما رأس الجوزهر « 1 » والأخرى ذنب الجوزهر ، وهما خفيّتا الذات ، وظاهرتا التأثيرات في الفلك ، فتدلّان على أن في العالم جواهر لطيفة خفيّات الذوات ، ظاهرات الأفعال والتأثيرات ، وهم أجناس الملائكة ، وقبائل الجنّ ، وأحزاب الشياطين ، وأرواح الحيوانات ونفوسها . فإن قيل : لم جعل الكسوف للنيّرين دون سائر الكواكب ؟ قيل : لتزول الشكوك عن قلوب المرتابين الذين يظنّون أنهما إلهان اثنان ، فإنهما لو كانا إلهين لما انكسفا . ثم اعلم أن اللّه تعالى جعل في جبلة الحيوان أربعة أسباب : آلامها ، ودواعي عطب أبدانها ، وشقاوة نفوسها ، وهلاك هياكلها ، وهي الجوع ، والعطش ، والشهوات المختلفة ، واللذات الذليلة . أما قصد الباري الحكيم في فعله ذلك كله فهو لبقاء نسلها وصلاح معاشها . وأما الذي يعرض لها من الآلام والنّكب فليس بالقصد الأول ، ولكن بالعرض من أجل النّقص الذي هو في الهيولى ، وذلك أن اللّه تعالى جعل لها الجوع والعطش لكيما
هامش
( 1 ) الجوزهر : من منازل القمر .
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 364 | إخوان الصفاء