من النفس ، والصّور التي ليست بأجسام ذوات الأبعاد الثلاثة التي هي ظل ذي ثلاث شعب .
ثم اعلم أن العالم الروحاني محيط بعالم الأفلاك ، كما أن عالم الأفلاك محيط بعالم الأركان الذي دون فلك القمر . وقد جعل اللّه تعالى عالم الأفلاك كريّات الأشكال ، مستديرات الحركات ، لأن هذا الشكل هو أفضل الأشكال من عدّة وجوه ومعان ، والحركة المستديرة أفضل الحركات من جهات شتى . وقسم اللّه تعالى الفلك اثني عشر قسما ، لأن هذا العدد أفضل الأعداد ، وذلك أنه أول عدد زائد . وجعل عدد الأفلاك تسعة مطابقة لأول عدد فرد مجذور . وجعل عدد الكواكب السيّارة سبعة مطابقة لأول عدد كامل ، وجعل فيها نيّرين ، واثنين سعدين ، واثنين نحسين ، وواحدا ممتزجا .
وجعل أيضا في الفلك عقدتين ، وجعل بعض البروج منقلبة ، وبعضها ذا جسدين ، وبعضها ثابتة ، وبعضها ناريّة ، وبعضها ترابية . كلّ ذلك لما فيه من وجوه الحكمة وإتقان الصنعة ، لا يبلغ فهم البشر كنه معرفتها ، إلّا من ألهمه اللّه تعالى ، وهدي قلبه وشرح صدره بنور حكمته ، كما ذكر بقوله :
« وَلا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِما شاءَ »
.
فإذا قيل : لم جعل الباري تعالى عالم الأجسام قسمين اثنين أحدهما علويّ وهو عالم الأفلاك وما فيها من أصناف الأكر والكواكب ، والآخر سفليّ وهو عالم الأركان وما فيها من أجناس الخلائق ؟ فيقال له : لعلل شتى وأسباب عدّة ، ولما فيه من إتقان الحكمة وإحكام الصّنعة ما لا يبلغ فهم البشر كنه معرفتها ، ولكن نذكر منها طرفا فنقول : ليكون في ذلك تبصرة للعقلاء وبيان لأولي الأبصار فإن للّه دارين اثنتين إحداهما هي الدنيا التي هي عالم الأجسام ومسكن الأجرام ، والأخرى هي دار الآخرة التي هي عالم الأرواح ومحلّ النفوس .
فإن قيل : لم جعل الباري في عالم الأفلاك نيّرين وسعدين ونحسين