نظرهم وشدة بحثهم وجودة فكرهم واعتقادهم ، طرفا ليكون دلالة على الباقية ، وقياسا لما نريد النظر فيها والحثّ عليها والاعتبار لها ، تشبّها بهم واقتداء بمذاهبهم . وإذ قد ذكرنا ما يحتاج إليها فنريد الآن أن نبيّن طرفا من كيفيّة السؤال والجواب عن علل الأشياء وماهيّة الحكمة فيها .
فصل
وكيف إذا قيل : لم خلق اللّه تعالى العالم بعد أن لم يكن ؟ فيقال : لأن اللّه حكيم وخلقه العالم حكمة ، وفعل الحكمة عن الحكيم واجب ، وبواجب الحكمة إذا خلق العالم . وإذا قيل : لم خلق اللّه في وقت ولم يخلق قبل ذلك ؟ قيل : لعلمه السابق أنه سيخلق في هذا الوقت لا قبل .
فإن قيل : لم خلقه على هذه الصورة التي عليها الآن ، ولم يخلقه على صورة غيرها ؟ فيقال : لعلمه أن هذه الصورة أحكم وأتقن ، ففعل كما علم ليكون فعله موافقا لعلمه . وإذا قيل : كيف خلق اللّه العالم ، وكيف ابتدأه من أوله إلى آخره ؟ فقد أوردنا لهذا العالم أربع رسائل : رسالتين في المبادي ، ورسالتين في العالم ، بيّنا فيها كيف أبدع الباري تعالى الموجودات وجميع الكائنات ، وكيف رتّبها ونظّمها بعضها يتلو بعضا في الوجود والبقاء كترتيب العدد عن الواحد الذي قبل الاثنين . وينبغي لمن يريد النظر في هذه الرسالة أن يكون قد نظر في رسالة الأربعة الموصوفات قبل هذا ، لأن معرفة كيف هو قبل معرفة لم هكذا ، كما بيّنّا في رسالات أجناس السؤالات التسعة وأجوبتها للحكماء .
ثم اعلم أن للّه تعالى عالمين : أحدهما جسماني والآخر روحاني . فالعالم الجسماني هو الفلك المحيط وما يحويه من سائر الأفلاك ، والكواكب ، والأركان ، والموّلدات الثلاثة ، والعالم الروحانيّ هو عالم العقل وما يحويه