تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 282

مساهمون:

ص٢٨٢
عند المحبّ . وكما روي في الخبر عن موسى ، عليه السلام ، أنه نادى ربه فقال : « يا رب أين أجدك ؟ » فقال : « عند المنكسرة قلوبهم من أجلي . » وقال عليه السلام : اعبد اللّه كأنك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنه يراك . ثم اعلم أن رؤية أولياء اللّه تعالى ، جلّ اسمه ، ليست كرؤية الأشخاص ، والأشباح ، والصور ، والأجناس ، والأنواع ، والجواهر ، والأعراض ، والصفات والموصوفات في الأماكن والمحاذيات ، ولكن بنوع أشرف منها وأعلى ، وفوق كل وصف جسماني ، ونعت جرماني ، وهي رؤية نور بنور ، لنور في نور من نور ، كما قال اللّه تعالى :
« اللَّهُ نُورُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ ، مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكاةٍ فِيها مِصْباحٌ ، الْمِصْباحُ فِي زُجاجَةٍ ، الزُّجاجَةُ كَأَنَّها كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لا شَرْقِيَّةٍ وَلا غَرْبِيَّةٍ »
أي لا صورية ولا هيولانيّة . ثم اعلم أن الغرض الأقصى من وجود العشق في جبلة النفوس ومحبتها الأجساد واستحسانها لها ولزينة الأبدان ، واشتياقها إلى المعشوقات المفتّنة ، كلّ ذلك إنما هو تنبيه لها من نوم الغفلة ورقدة الجهالة ، ورياضة لها وتعريج لها وترقية من الأمور الجسمانية المحسوسة إلى الأمور النفسانية المعقولة ، ومن الرتبة الجرمانية إلى المحاسن الروحانية ، ودلالة على معرفة جوهرها ، وشرف عنصرها ، ومحاسن عالمها ، وصلاح معادها ، وكل ذلك أن جميع المحاسن والزينة ، وكل المشتهيات من المرغوب فيها الذي يرى على ظواهر الأجرام وسطوح الأجسام ، إنما هي أصباغ ونقوش ، ورسوم قد صوّرتها النفس الكلية في الهيولى الأولى ، وزيّنت بها ظواهر الأجرام وسطوح الأجسام ، كيما إذا نظرت إليها النفوس الجزئية ، جنّت إليها ، وتشوّقت نحوها ، وقصدت لطلبها ، بالنظر إليها ، والتأمّل لها ، والتفكر فيها ، والاعتبار لأحوالها ، كلّ ذلك كيما تتصوّر تلك الرسوم والمحاسن والنقوش في ذاتها ، وتنطبع في جوهرها ، حتى إذا غابت تلك الأشخاص الجرمانية عن مشاهدة
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 282 | إخوان الصفاء