تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 201

مساهمون:

ص٢٠١

فصل

اعلم يا أخي ، أيدك اللّه وإيانا بروح منه ، أن اللّه ، جلّ ثناؤه ، لما أبدع الموجودات ، واخترع المخلوقات نظّمها ورتّبها في الوجود كمراتب الأعداد عن الواحد ، لتكون كثرتها دالة على وحدانيته ، وترتيبها ونظامها دالّين على إتقان حكمته في صنعها ؛ ولتكون أيضا نسبتها إلى الذي هو خالقها ومبدعها كنسبة الأعداد إلى الواحد الذي قبل الاثنين ، الذي هو أصلها ومبدؤها ومنشؤها كما بيّنّا في رسالة الأرثماطيقي : وذلك أن الباري ، جلّ ثناؤه ، لما كان واحدا بالحقيقة من جميع الوجوه والمعاني ، لم يجز أن يكون المخلوق المخترع واحدا بالحقيقة ، بل وجب أن يكون واحدا متكثّرا مثنويّا مزدوجا ، وذلك أن الباري ، جلّ ثناؤه ، أول ما بدأ بفعل واحد مفعولا واحدا متّحدا بفعله الذي هو علة العلل ، فلم يكن واحدا بالحقيقة بل فيه مثنويّة . فلذلك قالوا إنه أوجد واخترع أشياء مثنوية مزدوجة ، وجعلها قوانين الموجودات وأصول الكائنات . فمن ذلك ما قالت الحكماء الفلاسفة : الهيولى والصورة ، ومنهم من قال : النور والظلمة ، ومنهم من قال : الجوهر والعرض ، ومنهم من قال : الخير والشر ، ومنهم من قال : الإثبات والنفي ، ومنهم من قال : الإيجاب والسّلب ، ومنهم من قال : الروحاني والجسماني ، ومنهم من قال : اللوح والقلم ، ومنهم من قال : الفيض والعقل ، ومنهم من قال : المحبة والغلبة ، ومنهم من قال : الحركة والسكون ، ومنهم من قال : الوجود والعدم ، ومنهم من قال : النفس والروح ، ومنهم من قال : الكون والفساد ، ومنهم من قال : الدنيا والآخرة ، ومنهم من قال : العلّة والمعلول ، ومنهم من قال : المبدأ والمعاد ، ومنهم من قال : القبض والبسط . وعلى هذا القياس توجد أشياء كثيرة طبيعية مزدوجة أو متضادّة كالمتحرّك والساكن ، والظاهر والباطن ، والعالي والسافل ، والخارج والداخل ، واللطيف