تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 197

مساهمون:

ص١٩٧
محض ، في غاية التمام والكمال والفضائل ، وفيه صور جميع الأشياء ، كما تكون في فكز العالم صور المعلومات . وفاض من العقل الفعّال فيض آخر دونه في الرتبة يسمّى العقل المنفعل ، وهي النفس الكلية ، وهي جوهرة روحانية بسيطة قابلة للصور والفضائل من العقل الفعّال على الترتيب والنّظام ، كما يقبل التلميذ من الأستاذ التعليم . وفاض من النفس أيضا فيض آخر دونها في الرتبة يسمّى الهيولى الأولى ، وهي جوهرة بسيطة روحانية ، قابلة من النفس من الصور والأشكال بالزمان شيئا بعد شيء . فأول صورة قبلت الهيولى الطول والعرض والعمق ، فكانت بذلك جسما مطلقا وهو الهيولى الثانية . ووقف الفيض عند وجود الجسم ولم يفض منه جوهر آخر لنقصان رتبته عن الجواهر الروحانية ، وغلظ جوهره ، وبعده من العلة الأولى . ولما دام الفيض من الباري تعالى على العقل ، ومن العقل على النفس ، عطفت النفس على الجسم فصورت فيه الصور والأشكال والأصباغ ، لتتمه بالفضائل والمحاسن ، بحسب ما يمكن من قبول الجسم وصفاء جوهره . فأول صورة عملت النفس في الجسم الشكل الكريّ الذي هو أفضل الأشكال كلّها ، وحرّكته بالحركة الدّوريّة التي هي أفضل الحركات ، ورتبت بعضها في جوف بعض من لدن الفلك المحيط إلى منتهى مركز الأرض ، وهي إحدى عشرة كرة ، فصار الكل عالما واحدا ، منتظما نظاما كليّا واحدا ، وصارت الأرض أغلظ الأجسام كلها ، وأشدّها ظلمة ، لبعدها من الفلك المحيط ، وصار الفلك المحيط ألطف الأجسام كلها ، وأشدّها روحانية ، وأشفّها نورا ، لقربه من الهيولى الأولى التي هي جوهر بسيط معقول . وصارت الهيولى أنقص رتبة من العقل والنفس لبعدها من الباري جل وعز . وذلك أن الهيولى هي جوهرة بسيطة ، روحانية معقولة ، غير علّامة ولا فعّالة ، بل قابلة آثار النفس بالزمان ، منفعلة لها . وأما النفس فإنها جوهرة