تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 141

مساهمون:

ص١٤١
عمن سواها ، وبلغة عن غيرها ، ونوضح ذلك إيضاحا يكون لك به الاطلاع على ما أردت منه وسألت عنه .

فصل في معرفة بداية الحروف

فنقول : اعلم أن اللّه تعالى لما خلق آدم ، عليه السلام ، الذي هو أبو البشر ومبدؤه ، جعله ناطقا متكلما فصيحا مميّزا بالقوة الناطقة والروح الشريفة والقوة العاقلة القدسيّة ، وجعل صورته أحسن الصور ، وشكله أفضل الأشكال ، وطبيعته أصفى الطبائع الأرضيّة ، ومزاجه أعدل الأمزجة مما هو خارج عنه ؛ وجعله سيد الحيوانات كلها ، ومليكا عليها وأميرا ورئيسا فيها ، وملّكه إياها ، وألزمها طاعته ، والسجود له طوعا وكرها ، كما قال تعالى للملائكة :
« إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً »
فلما جعله بهذا المثال ، فليس من الحكمة أن يكون صامتا كالجماد ، ولا سكوتا كالحيوان الذي لا ينطق ، بل قائما ناطقا متكلما معلّما مفهّما عاقلا حكيما ، لأنه ، سبحانه وتعالى ، نفخ فيه من روح قدسه ، وأيّده بكلمته ، وعلّمه الأسماء كلّها وصفات الأشياء كلها ، وجعل له العقل العاقل لها والمحيط بمعرفتها ، وأخرج سائر الموجودات من المعادن والنبات والحيوان إليه ليديرها ويسوق إليه منافعها ويدلها على ما يكون به صلاحها وبقاؤها وتزايدها ونماؤها وسلامتها من الآفات ، ويضع كلّ شيء منها في موضعه ويوفّيه قسطه من حفظ النّظام وبلوغ التمام . وجمع له هذه الأشياء كلها صغيرها وكبيرها ، جليلها وحقيرها ، في تسع علامات بأشكال مختلفة مسمّاة بأسماء قد جمعت أسماء جميع الموجودات ، وانعقدت بها المعاني كلّها كما اجتمعت أجزاء الحساب كلّها والأعداد بأسرها في التسعة الأعداد التي من واحد إلى تسعة . وكذلك وجودها في العالم العلويّ على هذه النسبة . وهذه الحروف هي التي علّمها اللّه ، سبحانه وتعالى ، آدم عليه
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 141 | إخوان الصفاء