تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 138

مساهمون:

ص١٣٨
ومن جهة أخرى أيضا ما كان من الثّقب إلى موضع النفخ أقرب ، كانت نغمته أحدّ ، وما كان أبعد ، كان أغلظ . وهكذا تنقسم الأصوات المتصلة أيضا على هذا المثال غليظة وحادّة ، وقد بينّا في رسالة الموسيقى ذلك . وأما معرفة طبائع الأصوات وائتلافها واختلافها بحسب ما نبيّن هاهنا فنقول : إن الأصوات الحادّة والغليظة تتضادان ، فإذا جمع بينهما على نسبة تأليفية ، ائتلفت وامتزجت واتحدت وصارت كلاما موزونا ونظما مؤتلفا ، فعند ذلك يستلذه السامع وتسرّ به الأرواح وتأنس به النفوس . وإذا كانت على غير هذه النسبة ، تنافرت وتباينت ولم تأتلف ، ولم يستلذها السامع بل ينفر منها ويشمئز . والأصوات الغليظة باردة وهي رطبة ، وتنقسم قسمين : ضارّة ونافعة . فأما الضارّ فهو الذي إذا ورد على السامع يعوقه وهي الأصوات الخارجة عن الاعتدال . وقد استعمل الحكماء اليونانيون آلة لذلك كانوا يستعملونها عند ملاقاة الأعداء وهي صوت بلا زعيق . والأصوات المعتدلة المناسبة تعدّل مزاج الأخلاط الحارّة والكيموسات اليابسة فهذه تابعة لها . والأصوات الغليظة التي يحدث منها فساد المزاج باردة يابسة ، لأنه ربما جاء منها ماء يميت الحيوانات الصغار مثل فراخ الطيور ، والأطفال من الصبيان . والأصوات المناسبة باردة رطبة . والأصوات الحادة حارّة ، فما كان منها على غير النسبة المعتدلة ، أفسد المزاج وأحرق الطبيعة ، وما كان منها على النسبة الفاضلة والاعتدال ، أصلح المزاج ولطّف البرودة . فالقسم الأول حارّ يابس ، والقسم الثاني حارّ ليّن . وقد اتخذ الحكماء لهذه الأصوات ميزانا يعرفون به طبائعها على النسبة الفاضلة بحدّ الاعتدال ، وهي الآلة التي تسمّى العود ، وقد ذكرنا كيفيّة بنيته والعمل به في رسالة الموسيقى .