تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 120

مساهمون:

ص١٢٠
الصدق والكذب ، وواحد منها يدخله الصدق والكذب وهو الخبر ، ويوجد في ذلك السالبة والموجبة والممكن والممتنع .

فصل

ثم اعلم أن جميع هذه المعاني وما يتعاقبها من مدح أو ذم ، ويدخلها من صدق وكذب وبلاغة وحصر ، فلا بد من أن يقع على مسمّى باسم من مدح أو ذم ، وكل مسمّى باسم فيه مدح من سائر المعاني فهو واقع بين اثنين متضادين : عدل بين حاستي جور . فالعلم واقع بين أمرين : إما علم ما لا يجب أو جهل ما يجب ، فصار العدل بين حاستين : إفراط وتفريط . وعلى هذا المثال الفهم عدل بين الاعتراف بما لا يمكن وإنكار ما يمكن . واللب أيضا عدل بين الحصر عن التفهيم والتراخي عن التوهم . والعزم عدل بين التهور والجبن . والجود عدل بين التقتير والتبذير . والشجاعة عدل بين الإقدام والإحجام . وعلى هذا المثال يقع كل اسم من أسماء القصد والحزم ، وكل وصف يستحق به صاحبه المدح ، وبإزائه ما يستحق عليه الذم . واعلم أن حقيقة مطالب معنى العدل بأن تصرف في فنون المسمّيات ، وتقسم في وجوه العبارات ، وذلك أن القصد هو الذي لا يجزي ما دونه ولا ينفع ما فوقه ، فهو راجع إلى معنى العدل الذي ما نقص عنه كان ضعفا ، وما زاد عليه كان إسرافا . وكذلك الحزم أيضا ما لم يمل إلى إحدى حاشيتيه اللتين إحداهما الفشل والأخرى التهور . وكذلك الحياء الذي طرفاه الفتور والقحة . وكلّ يرجع من العدل إلى انقباض بين ازدياد على حدّة وانتقاص ، ويؤول إلى انبساط منه وتفريط وإفراط . فمن طلب العدل في جميع الصفات ، وجده متوسطا بين ضدين ، أحدهما يتطرّق دونه إلى بخس ونقصان ، والآخر يتطرق فوقه إلى إفراط وعدوان .