وما شاكلها ، ومثل البخارات الصاعدة في بيوت الحمّامات ، وكيفيّة تقطير الماء من سقوفها ، وذلك أن سطح كرة الزمهرير الذي يلي كرة النسيم ، والجبال الشامخة حوالي البحار تقوم لمنع البخارين الصاعدين ، اللذين يتكوّن منهما السّحاب والأمطار ، أن يتبدّدا ، ويتغشّيا حيطان الحمّامات وسقوفها لمنع البخار الصاعد فيها أن يتبدّد ويتغشّى أيضا فإنها تقوم مقام القرع والإنبيق « 1 » ، في تصعيد رطوباتها وتقطيرها . وبمثل هذين يدبّر أصحاب الصنعة عقاقيرهم في تصعيد رطوباتها وتقطير مياهها .
وأما البروق والرعود فإنهما يحدثان في وقت واحد ، ولكنّ البرق يسبق إلى الأبصار قبل الصوت إلى المسامع ، لأن أحدهما روحانيّ الصورة وهو الضوء ، والآخر جسمانيّ وهو الصوت كما بيّنّاه في رسالة الحاسّ والمحسوس .
وأما علّة حدوثهما فهي البخاران الصاعدان إذا اختلطا في الهواء ، والتفّ البخار الرّطب على البخار اليابس الذي هو الدّخان ، واحتوى برد الزمهرير على البخار الرّطب ، وضغطهما ، فانحصر البخار اليابس في جوف البخار الرّطب ، والتهب في جوف البخار الرّطب ، وطلب الخروج دفعة ، وانخرق البخار الرّطب ، وتفرقع من حرارة الدّخان اليابس ، كما تتفرقع الأشياء الرّطبة إذا احتوت عليها النار دفعة واحدة ، وحدث من ذلك قرع في الهواء ، واندفع إلى جميع الجهات ، كما بيّنّا في رسالة الحاسّ والمحسوس ، كيفيّة الصوت ، وانقدح من خروج ذلك البخار اليابس الدّخانيّ ضوء يسمّى البرق ، كما يحدث من دخان السّراج المنطفأ إذا أدني من سراج مشتعل ثم ينطفئ .
وربما يذوب ذلك البخار ويصير ريحا ، ويدور في جوف السحاب ، ويطلب
هامش
( 1 ) القرع : واحدتها قرعة ، وهي عند أرباب الكيمياء الطبيعة اناء مستطيل متسع الأسفل ضيق الأعلى يوضع فيه ما يراد تقطيره من الأدوية مع الماء على النار ، ثم يركب على فمه الإنبيق وهو إناء مقبب تتصل به أنبوبة طويلة ضيقة . فإذا غلى الماء تصاعد بخاره إلى جوف الإنبيق ، ثم جرى في تلك الأنبوبة ، فينحل ماء مكتسبا مزاج هذا الدواء وخواصه ، ويسمون هذه المياه المقطرة أرواحا .