أشبه الأشياء بجملته ، صارت نفس الإنسان أيضا أشبه النفوس الجزئية بالنفس الكلية التي هي نفس العالم بأسره . ، وصار حكم سريان قوى نفسه وأفعالها في بنية جسده مماثلة لسريان قوى النفس الكلية في جميع العالم .
وبيان ذلك أن لبنية جسدها ، أعني النفس الكلية التي هي جملة العالم ، سبعة أشخاص فاضلة متحركة مدبرة بإذن الملك الجبار عز وجل ، ولكل واحد منها جرم فيه روح تسمّى النفس ، ولكل واحد منها أفعال في العالم مخصوصة غير ما للآخر ، مذكور ذلك في كتب أحكام النجوم . فهكذا أيضا جعل اللّه تعالى في بنية جسد الإنسان أعضاء بنيتها مناسبة لجملة بدنه بعضها لبعض ، وجعل لكل عضو منها قوة تختص بها ، ليظهر بها أفعاله في بنية الجسد وفي سائر أطرافه ، وجعل أفعالها مناسبة لأفعال قوى روحانيات الكواكب السبعة .
بيانه أن نسبة جرم الجسد كنسبة جرم الشمس من العالم بأسره ، وذلك أنه لما كان مركز جزمها في وسط الأفلاك ، كما بينا في رسالة السماء والعالم ، هكذا جعل الباري تعالى جرم القلب في وسط الجسد ؛ وكما أن من جرم الشمس ينبثّ النور والشّعاع في جميع العالم بأسره ، ومنها تسري قوى روحانياتها في جميع أجزاء العالم ، وبها حياة العالم وصلاحه ؛ كذلك ينبثّ من جرم القلب الحرارة ، وتسير في العروق الضوارب إلى سائر أطراف البدن ، وبها تكون حياة الجسد وصلاحه .
وأيضا إن نسبة جرم الطّحال من الجسد كنسبة زحل من العالم ، وذلك أن جرم زحل تنبثّ مع شعاعه قوى روحانياته ، وتسري في جميع أجزاء العالم ، وبها تماسك الصّور في الهيولى وبقاؤها بإذن اللّه . فهكذا ينبثّ من جرم الطحال قوة الخلط السوداويّ البارد اليابس ، وتجري مع الدم في العروق الواردة إلى سائر أطراف الجسد ، وبها يكون جمود رطوبة الدم ، وتماسك أجزائه . ويعرف حقيقة ما قلنا وصحة ما وصفنا جماعة من الحذقة
رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 477
مساهمون: إخوان الصفاء
ص٤٧٧