تلفظ بالحروف المعجمة ، وهي التي تدل على المعاني في أفكار النفوس كما بيّنا في رسالة المنطق . ولكل نوع من هذه الأنواع نوع آخر ، وتحت تلك الأنواع أشخاص لا يعلم عددها إلّا اللّه الواحد القهار . وإن القوة السامعة هي المتولّية إدراكها ، المتصرفة فيها بإتيان الأخبار عنها إلى القوّة المتخيّلة التي مسكنها مقدّم الدماغ . وهذه القوة في إدراكها هذه الأصوات وإتيانها بأخبارها تشبه صاحب خبر ملك يأتي بالأخبار إليه من ناحية من نواحي مملكته .
وأما القوّة الباصرة التي مجراها في العينين ، فإن النفس قد ولّتها إدراك المبصرات ، وهي تنقسم أنواعا ، فمنها الأنوار والظلمة ؛ ومنها الألوان ، وهي السواد والبياض والحمرة والصفرة ، وما يتولد عند التركيب من سائر الألوان . ومن المبصرات أيضا المقادير ذوات الأبعاد ، والأشكال والصّور والحركات والسكون ، وكل نوع من هذه تحته أنواع ، وتحت تلك الأنواع أشخاص ، وهي كلها تحت إدراك القوّة الباصرة ، وهي المتصرّفة فيها والمميّزة لها ، تأتي بالأخبار عنها إلى القوّة المتخيّلة التي مسكنها مقدّم الدماغ . ونسبة هذه القوّة من النفس كنسبة الدّيدبان « 1 » وصاحب البريد إلى الملك يأتي بالأخبار إليه من كل ناحية من نواحي مملكته .
وأما القوّة الشامّة التي مجراها في المنخرين ، فإن النفس قد ولّتها إدراك الروائح ، والتصرّف فيها ، والتمييز لها ، وهي نوعان : لذيذة وكريهة .
فاللذيذة تسمى الطّيب ، والكريهة تسمى النّتن ، وتحت كل نوع من هذه الأنواع أنواع ليس لها أسماء مفردة ، كأسماء سائر المحسوسات ، ولكن القوّة الناطقة نسبت كل رائحة منها إلى حاملها الذي تفوح منه ، فيقال رائحة المسك ، ورائحة الكافور ، ورائحة العود ، ورائحة النرجس ، وغير ذلك ، فنسبتها إلى الذي تفوح منه ، وهي كثيرة لا يحصي عددها إلّا اللّه تعالى . وإن القوّة الشامة
هامش
( 1 ) الديدبان : الرقيب والطليعة .