تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 472

مساهمون:

ص٤٧٢
والصواب من الخطأ ، والضارّ من النافع ، ثم تؤديها إلى القوة الحافظة التي مجراها مؤخّر الدماغ لتحفظها إلى وقت الحاجة والتذكار . ثم إن القوة الناطقة تتناول تلك الرسوم المحفوظة ، وتعبر عنها عند البيان للقوة السامعة من الحاضرين في الوقت . ولما كانت الأصوات لا تمكث في الهواء إلّا ريثما تأخذ الأسماع حظها ، ثم تضمحل ، اقتضت الحكمة الإلهية والعناية الربّانية ، واحتالت الطبيعة بأن قيّدت تلك الألفاظ بصناعة الكتابة . وذلك أن القوة الصناعية إذا أرادت تقييدها ، صاغت لها صورا من الخطوط بالقلم ، وأودعتها وجوه الألوان ، وبطون الطوامير ، ليبقى العلم مفيدا فائدة من الماضين للغابرين ، وأثرا من الأولين للآخرين ، وخطابا من الغائبين للحاضرين . وهذا من جسيم نعم اللّه تعالى على الإنسان كما ذكر في كتابه فقال :
« اقْرَأْ وَرَبُّكَ الْأَكْرَمُ الَّذِي عَلَّمَ بِالْقَلَمِ عَلَّمَ الْإِنْسانَ ما لَمْ يَعْلَمْ »
.

فصل

اعلم يا أخي أنه إذا تفكّر الإنسان العاقل الفهيم في هذه القوة التي تقدّم ذكرها ، وكيفية سريانها في أعضاء الجسم ، وتصرّفها في إدراك هذه المحسوسات ، وتصوّرها رسوم المعلومات ، واطلاع النفس عليها كلها في جميع حالاتها ، تكون هذه شاهدة له من نفسه لنفسه ، ودليلا من ذاته على أن للنفس الكلية قوى كثيرة منبثّة في فضاء الأفلاك وأطباق السماوات ، وأركان الأمهات ، وفي الحيوانات والنبات ، موكّلة بحفظ الخليقة ، ومرتّبة لصلاح البرية ، وهم ملائكة اللّه جلّ اسمه ، وخالص عباده وصفوته من بريّته ، لا يعصون اللّه ما أمرهم ، ويفعلون ما يؤمرون من غير خطاب ولا كلام .