فصل
ثم اعلم يا أخي أن للنفس النباتية سبع قوى فعّالة ، وهي الجاذبة والماسكة والهاضمة والدافعة والغاذية والنامية والمصوّرة . وأن أول فعلها عند استقرار النّطفة في الرحم هو جذبها دم الطّمث « 1 » إلى الرحم ، وإمساكها لها هناك وهضمها .
ثم اعلم يا أخي بأنه إذا جذبت هذه القوة الدم إلى هناك ، أخفته حول النّطفة وأدارته عليها كما يدور بياض البيض حول محّها « 2 » ، فيكون عند ذلك حول النّطفة كالمحّة ، ودم الطّمث حولها كالبياض . ثم إن حرارة النّطفة تسخّن رطوبة الدم ، فتنضجها ، فتسخن وتنعقد تلك الرطوبة ، فتصير علقة ، كما ينعقد اللبن الحليب من الإنفحة « 3 » ، وتستولي عند ذلك على تلك الجملة قوى روحانيات زحل ، وتبقى في تدبيراتها بمشاركة قوى روحانيات سائر الكواكب شهرا واحدا ثلاثين يوما ، سبع مائة وعشرين ساعة ، كما ذكر ذلك في كتب أحكام النجوم بشرح طويل . ونريد أن نذكر من ذلك طرفا ليكون دستورا لما أن نتكلم فيما بعد .
واعلم يا أخي بأن ابتداء تدبير النّطفة إنما صار لزحل من أجل أنه أعلى الكواكب السيّارة فلكا مما يلي فلك الكواكب الذي هو مكان الجواهر الشريفة ، ومنصب القوى الروحانية ، ومعدن النفس القدسيّة ، ومستقرّ الأرواح الخيّرة ، ومبدأ القوى العقليّة ، والملائكة العلّامة المفكّرة ، والأجرام النيّرة الشفّافة . ومن هناك تنزل الملائكة بالوحي والتأييد والأنباء والخير
هامش
( 1 ) الطمث : الحيض .
( 2 ) المح : صفرة البيض .
( 3 ) الإنفحة : شيء يستخرج من بطن الجدي الرضيع اصفر ، فيعصر في صوفة ، فيغلظ كالجبن .
ويسمى كرشا إذا اكل الجدي وترك الرضاع .