تخطي إلى المحتوى الرئيسي

رسائل إخوان الصفاء وخلان الوفاء — صفحة 299

مساهمون:

ص٢٩٩
قال الملك : وما هي ؟ قال : لكثرة مآرب الإنس ، وفنون تصاريف أمورهم ، واختلاف أحوالها ، فاحتاجوا إلى كثرة الملوك ، وليس حكم سائر الحيوانات كذلك . وخصلة أخرى أن ملوكهم إنما هم بالاسم من جهة كبر الجثّة ، وعظيم الخلقة ، وشدة القوة حسب . وإن حكم ملوك الإنس ربما يكون بخلافه ، وذلك أنه ربما يكون الملك أصغرهم جثة ، وألطفهم بنية ، وأضعفهم قوّة ، وإنما المراد من الملوك حسن السياسة ، والعدل في الحكومة ، ومراعاة أمر الرعيّة ، وتفقد أحوال الجنود والأعوان ، وترتيبهم مراتبهم ، والاستعانة بهم في الأمور المشاكلة لهم . وذلك أن رعية ملوك الإنس وجنودها وأعوانها أصناف وصفات شتى ، فمنهم حملة السلاح الذين بهم يبطش الملك بأعدائه ، ومن خالف أمره من الثوار ، والخوارج ، واللصوص ، وقطّاع الطرق ، والغوغاء ، والعيّارين ، ومن يريد الفتن ويثيرها ، ويريد الفساد في البلاد . ومنهم الوزراء والكتّاب والعمال وأصحاب الدواوين وجباة الخراج ، وبهم يجمع الملك الأموال والذخائر وأرزاق الجند ، وما يحتاج إليه من الأمتعة والثياب والأثاث . ومنهم البنّاءون والدهّانون والمزارعون وأرباب الحرث والنسل ، وبهم عمارة البلاد ، وقوام أمر المعاش للكل . ومنهم القضاة والعلماء والفقهاء الذين هم قوام الدين ، وحكام الشريعة التي لا بد للملك من دين وحكم وشريعة يحفظ بها الرعيّة والأمة ، ويسوسهم ويدبّر أمورهم على أحكمه وأحسنه . ومنهم التجار والصّنّاع وأصحاب الحرف والمتعاونون في المعاملات والتجارات والصّنّاع في المدن والقرى الذين لا يتم أمر المعاش وطيب الحياة إلّا بهم ، ومعاونة بعضهم بعضا . ومنهم الخدم والغلمان والجواري ، والحجّاب ، والوكلاء أصحاب الخزائن ،