من حبّة الزّرّاع في العقار * سبعون ضعفا كيل بالمقدار
مواهبا من واحد غفّار ، * فاعتبروها يا أولي الأبصار
وآتوا حقّه يوم حصاده ، ولا تغدوا تخافتون « 1 » ، على حرد « 2 » قادرين ، الّا يدخلنّها اليوم عليكم مسكين . من يزرع اليوم خيرا يحصده غدا غبطة ، ومن يغرس معروفا يجن غدا ربحا . الدنيا كالمزرعة ، والعالمون من أبناء الآخرة كالحرّاث ، وأعمالهم كالزرع والشجر ، والموت كالحصاد ، والقبر كالبيدر ، ويوم البعث كأيام الدّراس ، وأهل الجنة كالحبّ والثّمار ، وأهل النار كالتّبن والحطب ، ويومئذ يميّز اللّه الخبيث من الطيب ، ويجعل الخبيث بعضه على بعض فيركمه جميعا فيجعله في جهنّم ، وينحّي الذين اتّقوا بمفازتهم ، لا يمسّهم السّوء ولا هم يحزنون .
وأما البلبل الحاكي فهو ذلك القاعد على غصن تلك الشجرة ، وهو الصغير الجثّة ، السريع الحركة ، الأبيض الخدّين ، الكثير الالتفات يمنة ويسرة ، الفصيح اللسان ، الجيّد البيان ، كثير الألحان ، يجاور بني آدم في بساتينهم ، ويخالطهم في مساكنهم ، ويكثر مجاوبتهم في كلامهم ، ويحاكيهم في نغماتهم ، ويعظهم في تذكاره لهم ، فهو القائل لهم عند لهوهم وغفلاتهم : سبحان اللّه كم تلعبون ، سبحان اللّه كم تحكمون ، سبحان اللّه الّا تسبّحون ، سبحان اللّه أليس للموت تولدون ، أليس للبلاء تربّون ، أليس للخراب تبنون ، أليس للفناء تجمعون ؟ كم تلعبون ، وكم تولعون ، أليس غدا تموتون ، وفي التراب تدفنون ؟
«
كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ ، ثُمَّ كَلَّا سَوْفَ تَعْلَمُونَ
» يا ابن آدم «
أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِأَصْحابِ الْفِيلِ ، أَ لَمْ يَجْعَلْ كَيْدَهُمْ فِي تَضْلِيلٍ ، وَأَرْسَلَ عَلَيْهِمْ طَيْراً أَبابِيلَ ، تَرْمِيهِمْ بِحِجارَةٍ مِنْ سِجِّيلٍ ، فَجَعَلَهُمْ كَعَصْفٍ مَأْكُولٍ
» . ثم
هامش
( 1 ) تتخافتون : تتسارّون .
( 2 ) حرد : منع للفقراء .