فلمّا صرنا بالنجف ، نزل عن راحلته ، وأسبغ الوضوء ، واستقبل القبلة ، وصلّى ركعتين ، ثمّ رفع يديه إلى السماء ، وأنا بالقرب منه ، فسمعته يقول [ 37 ر ] : اللّهم بك أستفتح ، وبك أستنجح ، وبمحمّد عبدك ورسولك أتوجّه ، اللّهم إنّي أدرأ بك في نحره ، وأعوذ بك من شرّه [ 47 م ] اللّهمّ سهّل لي حزونته ، وذلّل لي صعوبته ، وأعطني من الخير أكثر ممّا أرجو ، واكفني من الشرّ أكثر ممّا أخاف ، ثم جاء فركب ومضى .
[ فلمّا قيل لأبي جعفر : إنّه بالباب ، أمر بالستور فرفعت ، وبالأبواب ففتحت ، ثم خرج إليه ، فلقيه في منتصف الدّار [ 64 غ ] فعانقه أبو جعفر ، وأخذ بيده يماشيه مقبلا عليه ، حتّى انتهى إلى مجلسه ، فأجلسه فيه ، ثمّ أقبل عليه المنصور يسائله ، وأقبل جعفر يدعو له ويفدّيه .
ثمّ إنّ المنصور قال له : عرفت ما كان من أمر هذين الرجلين ، يعني محمّدا وإبراهيم ابني عبد اللّه بن الحسن ، وما كان من برّي بهما ، وقد استترا ، وخفت أن يشقّا العصا ، ويلقيا بين أهل هذا البيت شرّا لا يصلح أبدا ، فأخبرني بخبرهما ، ودلّني عليهما .
فقال له جعفر : قد واللّه نهيتهما فلم يقبلا ، وكرهت أن أطّلع على شيء من أمورهما ، وما زلت مائلا إليك ، وحاطبا في حبلك ، ومواظبا على طاعتك .
فقال له المنصور : صدقت ، ولكنّك تعلم ، أنّي أعلم ، أنّ علم أمرهما عندك ، ولن أقنع إلّا أن تخبرني بخبرهما وأمرهما .
فقال : يا أمير المؤمنين ، أتلو عليك آية من كتاب اللّه عزّ وجلّ ، فيها منتهى علمي بهما .
قال : هات ، على اسم اللّه .
فتلا عليه :
لَئِنْ أُخْرِجُوا لا يَخْرُجُونَ مَعَهُمْ ، وَلَئِنْ قُوتِلُوا لا يَنْصُرُونَهُمْ ، وَلَئِنْ نَصَرُوهُمْ لَيُوَلُّنَّ الْأَدْبارَ ، ثُمَّ لا يُنْصَرُونَ .