ما لم تفعل ، أقدر منك على ردّ ما فعلت ، فدعني أصلّي ركعتين ، وامض لما أمرت به .
فقال له : شأنك وما تريد .
فقام الفتى ، فصلّى ركعتين ، قال فيهما : يا خفيّ اللّطف ، أغثني في وقتي هذا ، والطف بي بلطفك الخفيّ .
فلا واللّه ما استتمّ دعاءه ، حتّى هبّت ريح وغبرة ، حتّى لم ير بعضهم بعضا ، فوقعوا لوجوههم ، واشتغلوا بأنفسهم عن الفتى ، ثمّ سكنت الرّيح والغبرة ، وطلبنا الفتى ، فلم يوجد ، وقيوده مرميّة .
فقال الحاجب لمن معه : هلكنا واللّه ، [ 41 م ] سيقع لأمير المؤمنين أنّا أطلقناه ، فما ذا نقول له ؟ إن كذبناه لم نأمن أن يبلغه خبر الفتى فيقتلنا ، ولئن صدقناه ، ليعجّلنّ لنا المكروه .
فقال له الآخر : يقول الحكيم : إن كان الكذب ينجي ، فالصدق أرجى وأنجى .
فلمّا دخلوا عليه ، قال لهم : ما فعلتم فيما تقدّمت به إليكم ؟
فقال له الحاجب : يا أمير المؤمنين ، الصدق أولى ما اتّبع في جميع الأمور ، ومثلي لا يجترئ أن يكذب بحضرتك ، وإنّه كان من الخبر كيت وكيت .
فقال الرّشيد : لقد تداركه اللّطف الخفيّ ، واللّه ، لأجعلنّها في مقدّمات دعائي ، امض لشأنك ، واكتم ما جرى « 4 » .
هامش
( 4 ) راجع كتاب حلّ العقال 40 و 41 .