قومه ، مبجّل في جيرته ، لا يخاف الضّيق في المعيشة ، ولا الضّنك في المصيبة ، إذا ورد عليه مذلّل الملوك ، وقاهر الجبابرة ، وقاصم الطّغاة ، فألقي « 1 » صريعا بين أحبّته « 2 » وجيرانه ، مفارقا أهل « 3 » بيته وإخوانه ، لا يملكون له نفعا ، ولا يستطيعون عنه دفعا . فكم من أمّة قد أبادها الموت ، وبلدة قد عطّلها ، وذات بعل قد أرملها ، وذي أب أيتمه ، وذي إخوة أفرده .
فالعاقل لا يغترّ بحالة نهايتها تؤدّي إلى ما قلنا [ 472 / أ ] ، ولا يركن إلى عيش مغبّته ما ذكرنا ، ولا ينسى حالة لا محالة هو « 4 » مواقعها ، ويوما « 5 » لا شكّ يأتيه .
إذ الموت طالب حثيث « 6 » ، لا يعجزه المقيم ، ولا ينقلب منه الهارب .
975 - ولقد حدّثنا محمّد بن إبراهيم الخالديّ ، حدّثنا عبد اللّه بن محمّد « 7 » ، حدّثني سلمة بن شبيب « 8 » ، حدّثنا سهل بن عاصم « 9 » قال : [ سمعت ] الوضّاح بن حسّان « 10 » يقول : سمعت ابن السّمّاك « 11 » يحدّث قال : بينما صيّاد في الدّهر الأوّل يصطاد السّمك ، إذ رمى بشبكة في البحر ، فخرج فيها جمجمة إنسان ، فجعل الصّيّاد ينظر إليها ويبكي ، ويقول :
عزيز ، فلم تترك لعزّك ، غنيّ فلم تترك لغناك ، فقير فلم تترك لفقرك ؛ جواد فلم تترك لجودك ، شديد فلم تترك لشدّتك ، عالم فلم تترك لعلمك ؟ يردّد هذا الكلام ويبكي .
هامش
( 1 ) في المطبوع : ( فألقاه ) .
( 2 ) في المطبوع : ( الأحبة ) .
( 3 ) في المطبوع : ( لأهل ) .
( 4 ) في المطبوع : ( هر ) .
( 5 ) في المطبوع : ( وما ) .
( 6 ) ( حثيث ) من المخطوط .
( 7 ) هو ابن أبي الدنيا الحافظ المؤدب .
( 8 ) مرّت ترجمته رقم ( 188 ) .
( 9 ) مرّت ترجمته رقم ( 507 ) .
( 10 ) قال الخطيب في تاريخ بغداد ( 13 / 465 ) : الوضاح بن حسان الأنباري ، ذكر أن الوضاح هذا كان عابدا . وذكره ابن أبي حاتم في الجرح والتعديل ولم يذكر فيه جرحا ولا تعديلا .
( 11 ) هو محمد بن صبيح العجليّ . مرّت ترجمته رقم ( 237 ) .