وأكثر ما يجب تعاهد الرّعيّة للملوك ؛ إذ هم رعاة لها ، وهم أرفع الرّعاة ، لكثرة نفاذ أمورهم ، وعقد الأشياء وحلّها من ناحيتهم ، فإذا لم يراعوا أوقاتهم ، ولم يحتاطوا لرعيّتهم هلكوا وأهلكوا [ 466 / ب ] .
وربّما كان هلاك عالم ، في فساد ملك واحد ، ولا يدوم ملك ملك إلّا بأعوان تطيعه ، ولا يطيعه « 1 » الأعوان إلّا بوزير ، ولا يتمّ ذلك إلّا أن يكون الوزير ودودا نصوحا ، ولا يوجد ذلك من الوزير إلّا بالعفاف والرّأي ، ولا يتمّ قوام هؤلاء إلّا بالمال ، ولا يوجد المال إلّا بصلاح الرّعيّة ، ولّا تصلح الرّعيّة إلّا بلزوم « 2 » العدل ، فكأنّ ثبات الملك لا يكون إلّا بلزوم العدل ، وأنّ زواله « 3 » لا يكون إلّا بمفارقته .
فالواجب على الملك أن يتفقّد أمور عمّاله ، حتّى لا يخفى عليه إحسان محسن ، ولا إساءة مسيء ؛ لأنّه إذ خفي « 4 » عليه أعمال عمّاله ، لم يكن قائما بالعدل .
( وكلّ رياسة لم تكن مشوبة بتقوى اللّه تكون خساسة لا رياسة ، والاحتواء على الرّياسة من غير تقوى اللّه كالقاعد على الكناسة .
929 - كمّا قال بعضهم : [ من الوافر ]
رياسات الرّجال بغير دين * ولا تقوى الإله هي الخساسه
وكلّ رياسة من غير تقوى * أذلّ من الجلوس على الكناسه
وأشرف منزل وأعزّ عزّ * وخير رياسة ترك الرّياسه ) « 5 »
930 - ولقد أنشدني عليّ بن محمّد البسّاميّ « 6 » : [ من الطويل ]
إذا سست قوما فاجعل العدل بينهم * وبينك ، تأمن كلّ ما تتخوّف
وإن خفت من أهواء قوم تشتّتا * فبالجود فاجمع بينهم يتألّفوا
هامش
( 1 ) في المخطوط : ( بأعوان ولا تطيعه ) .
( 2 ) في المطبوع : ( بإقامة ) .
( 3 ) في المطبوع : ( وزواله ) .
( 4 ) في المخطوط : ( إذا أخفى ) . وفي المطبوع : ( إذا جنى ) .
( 5 ) ما بين : ( ) من المخطوط .
( 6 ) البيتان في الأمالي لأبي علي القالي ( الجزء الأول ) وبهجة المجالس لابن عبد البر ( باب مدح الجود ) دون نسبة .