قال أبو حاتم [ رضي اللّه عنه ] : العاقل لا يعادي « 1 » على الحالات كلّها ؛ لأنّ العداوة لا تخلو من أن تكون لأحد رجلين : إمّا حليم لا يؤمن مكره ، أو جاهل لا يؤمن شتمه .
ولا يجب على العاقل - إذا عادى - أن يغترّ بإحسانه « 2 » إلى عدوّه ، وما « 3 » يرى من سكونه إليه ؛ فإنّ الماء وإن أطيل إسخانه ، ليس بمانعه من « 4 » ذلك من إطفاء النّار إذا صبّ عليها ، ولا يجب أن يعظم عليه حمله عدوّه على عاتقه إذا وثق بحسن عاقبته ؛ لأنّ اللّين والمكر أنكى في العدوّ من الفظاظة والمكابرة . ألّا ترى النّار مع حرّها لا تحرق من الشّجر « 5 » إلّا ما ظهر ، والماء مع برده ولينه يستأصلها ، ومجانبة المرء مع « 6 » عدوّه في العشرة ، أحد الأعوان عليه عند الفرصة .
هامش
- ورواه محمد بن العباس اليزيدي في الأمالي ( ص 224 ) قال : حدثني أحمد بن الحارث الخراز ، عن المدائني قال : قال عبد اللّه بن الحسن بن الحسن لابنه : يا بني ، إني مؤد حق اللّه عليّ في تأديبك ، فأدّ إليّ حقّه في حسن الاستماع والقبول . يا بني ، أكفف الأذى ، وأفض الندى ، واستعن على السلامة بطول الصمت في المواطن التي تدعوك نفسك إلى الكلام فيها ؛ فإن للقول ساعات يضرّ فيها خطأه ، ولا ينفع صوابه . يا بني ، احذر مشورة الجاهل ، وإن كان ناصحا ، كما تحذر العاقل إذا كان عدوا ؛ فإنه يوشك أن يورطك في بعض اغتراره فيسبق إليك مكر العاقل ، وإياك ومعاداة الرجال ، فإنها لن تعدمك مكر حليم أو مفاجأة جاهل لئيم .
وذكره ابن عبد ربه في العقد الفريد ( 2 / 99 ) فقال : قال عبد اللّه بن حسن لابنه محمد : يا بني ، احذر الجاهل وإن كان لك ناصحا كما تحذر العاقل إذا كان لك عدوّا ؛ ويوشك الجاهل أن تورّطك مشورته في بعض اغترارك فيسبق إليك مكر العاقل ؛ وإياك ومعاداة الرجال ، فإنك لا تعدمنّ منها مكر حليم عاقل ، أو معاندة جاهل .
وانظره أيضا في تذكرة ابن حمدون وربيع الأبرار للزمخشري ولباب الآداب لأسامة بن منقذ .
وروى البيهقي في الشعب ( 8448 ) من طريق أبان بن تغلب يقول : قال أمير المؤمنين علي بن أبي طالب رضي اللّه عنه : إياكم ومعاداة الرجال فإنهم لا يخلون من ضربين : من عاقل يمكر بكم أو جاهل يعجل عليكم بما ليس فيكم واعلموا أن الكلام ذكر والجواب أنثى وحيثما اجتمع الزوجان فلا بد من النتاج ، ثم أنشأ يقول :سليم العرض من حذر الجوابا * ومن دارى الرجال فقد أصاباومن هاب الرجال تهيبوه * ومن حقر الرجال فلن يهابا( 1 ) في نسخة : يعادى .
( 2 ) في المطبوع : ( يغرّه إحسانه ) .
( 3 ) في المطبوع : ( عدوه ما ) .
( 4 ) ( من ) من المخطوط .
( 5 ) في نسخة : الشجرة .
( 6 ) ( مع ) من المخطوط .