فقلت : هذه محنتان ، امتحنت بالدين ، وهذه محنة الدنيا .
275 - وقال لنا أبو عبد اللّه ، ونحن يوما بالعسكر « 1 » : لي اليوم لي ثمان منذ لم آكل شيئا ، ولم أشرب إلا أقل من ربع سويق ، وكان يمكث ثلاثا لا يطعم وأنا معه ، فإذا كان ليلة الرابعة أضع بين يديه قدر نصف ربع سويق ، فربما شربه ، وربما ترك بعضه ، فمكث نحوا من خمسة عشر يوما ، أو أربعة عشر يوما ، لم يطعم إلا أقل من ربعين سويقا ، وكان إذا ورد عليه أمر يغمّه ، لم يفطر وواصل ، إلا شربة ماء ، وانتبهت ليلة - وقد كان واصل - فإذا هو قاعد .
فقال : هو ذا يدار بي من الجوع ! أطعمني شيئا ، فجئته بأقل من رغيف ، فأكل ، ثم قال : لولا إني أخاف العون على نفسي ما أكلت ، وكان يقوم من فراشه إلى المخرج ، فكان يقعد ، يستريح من الضعف والجوع ، وجعل يضعف من الجوع والوصال ، حتى إن كنت لأبل الخرقة ، فألقيها على وجهه ، فترجع إليه نفسه ، حتى أوصى من الضعف - من غير مرض - فسمعته وهو يوصي ، ونحن بالعسكر يقول :
وأشهدنا عليها - :
هذا ما أوصى به أحمد بن محمد بن حنبل ، أوصى : أنه يشهد أن لا إله إلا اللّه ، وحده لا شريك له ، وأن محمدا عبده ورسوله ، أرسله بالهدى ودين الحق ؛ ليظهره على الدين كله ، ولو كره الكافرون ، وأوصى لمن أطاعه من أهله وقرابته ، أن يحمدوا اللّه في الحامدين ، وأن
هامش
( 1 ) في « ط » : « بالمعسكر » .