يكن للسارق حيلة إلا الهرب منه ، وترك رداءه ونجا بنفسه وغدا الرجل به كاسيا « 1 » .
وليس ينبغي للعاقل أن يركن إلى مثل هذا المثل فيتكل عليه ويدع ما يجب عليه من السعي والعمل لصلاح معاشه ، بل أن لا يألو جهدا « 2 » في الطلب على قدر معرفته ولا ينظر إلى من تؤاتيه « 3 » المقادير وتساعده على غير التماس منه ولا حركة لأن أولئك في الناس قليل . وإنما الجمهور منهم من يجهد نفسه في الكد والسعي فيما يصلح من أمره وينال به ما يريد .
وليحرص أن يكون مكسبه من أطيب المكاسب وأفضلها وانفعها له ولغيره معا ما أمكن . ولا يتعرض لما يجلب عليه العناء والشقاء ، وما يعقبه الهم والغم . وليحذر أن يعاود ما أصابه منه الضرر . وينبغي له مع ذلك أن يحذر مما يصيب غيره من الضرر لئلا يصيبه مثله . فيكون كالحمامة التي تفرخ الفراخ فتؤخذ وتذبح ثم لا يمنعها ذلك من أن تعود فتفرخ موضعها وتقيم بمكانها فتؤخذ الثانية من فراخها فتذبح حتى تؤخذ هي أيضا فتذبح .
وقد يقال : إن الله تعالى قد جعل لكل شيء حدا يوقف عليه ، ومن تجاوز في الأشياء حدها أوشك ان يلحقه التقصير عن بلوغها .
والمتجاوز الحد والمقصر عنه سيان « 4 » بالنسبة إليه لأن كليهما زائغ عنه في الحالين جميعا . ويقال : من كان سعيه لآخرته ودنياه فحياته له وعليه .
ومن كان سعيه لدنياه خاصة فحياته عليه ، ومن كان سعيه لآخرته فحياته له . ويقال لي أشياء يجب على صاحب الدنيا إصلاحها وبذل جهده فيها :
منها أمر دينه ، ومنها أمر معيشته ، ومنها ما بينه وبين الناس ، ومنها ما يكسبه الذكر الجميل بعده . وقد قيل في أمور من كن فيه لم يستقم
هامش
( 1 ) كاسيا : مكتسيا
( 2 ) لا يألو جهدا : لا يقصر في الجهد .
( 3 ) تؤاتيه : توافقه
( 4 ) سيان : بمعنى سي مثل وسواء .