مثل البصير والأعمى
وأقل الناس عذرا في اجتناب محمود الأفعال وارتكاب مذمومها من أبصر ذلك وميزه وعرف فضل بعضه على بعض . كما أنه لو أن رجلين أحدهما بصير والآخر أعمى ساقهما الأجل « 1 » إلى حفرة فوقعا فيها ، كانا إذا صارا في قعرها بمنزلة واحدة . غير أن البصير أقل عذرا عند الناس من الضرير إذ كانت له عينان يبصر بهما وذاك بما صار إليه جاهل غير عارف .
وعلى العالم أن يبدأ بنفسه ويؤدبها بعلمه ولا تكون غايته اقتناءه العلم لمعاونة غيره ونفعه به وحرمان نفسه منه ؛ ويكون كالعين التي يشرب الناس ماءها وليس لها في ذلك شيء من المنفعة ، وكدودة القز التي تحكم صنعتها ولا تنتفع بها . فينبغي لمن طلب العلم أن يبدأ بعظة « 2 » نفسه ويتعهدها برياضتها ، ثم عليه بعد ذلك أن يقبسه « 3 » ، فإن خلالا « 4 » ينبغي لصاحب الدنيا أن يقتنيها ويقتبسها ، منها العلم والمال ، ومنها اتخاذ المعروف « 5 » . وليس للعالم أن يعيب امرا بشيء فيه مثله ويكون كالأعمى الذي يعير الأعمى بعماد .
وينبغي لمن طلب امرا ان يكون له فيه غاية ونهاية يعتمد عليها ويقف عندها ولا يتمادى في الطلب . فإنه يقال : من سار إلى غير غاية فيوشك ان تنقطع « 6 » به مطيته « 7 » ، وإنه كان حقيقا ألا « 8 » يعني « 9 » نفسه في طلب ما لا حد له وما لم ينله أحد قبله ؛ ولا يتأسف عليه ولا
هامش
( 1 ) الاجل : انقضاء العمر
( 2 ) عظة : وعظ
( 3 ) يقبه : يستفيده .
( 4 ) خلالا : صفات .
( 5 ) اتخاذ المعروف : اصطناعه مع الناس .
( 6 ) تنقطع : تعجز عن السير
( 7 ) مطيته : دابته
( 8 ) ألا : أن لا .
( 9 ) يعنى : يتعب .