يكون لدنياه مؤثرا « 1 » على آخرته ، فإن من لم يعلق قلبه بالغايات قلت حسرته عند مفارقتها .
وقد يقال في أمرين : إنهما يجملان « 2 » بكل أحد ، أحدهما النسك والآخر المال الحلال . وقد يقال في أمرين أنهما لا يجملان بأحد : الملك أن يشارك في ملكه ، والرجل أن يشارك في خاصته « 3 » وليس ينبغي للعاقل أن يقنط وييأس من رحمة الله وفضله فيما لا يناله ، فربما ساق القدر له رزقا هنيئا وهو غافل عنه لا يدري به ولا يعلم وجهه .
مثل الفقير واللص
ومن أمثال هذا : أن رجلا كان به فاقة وجوع وعري فألجأه ذلك إلى أن سأل بعض أقاربه وأصدقائه فلم يكن عند أحد منهم فضل « 4 » يعود به عليه . فبينما هو ذات ليلة في منزله إذ بصر بسارق « 5 » في المنزل ، فقال في نفسه . والله ما في منزلي شيء أخاف عليه ، فليجهد السارق جهده . فبينما السارق يجول إذ وقعت يده على خابية فيها حنطة ، فقال السارق : والله ما أحب ان يكون عنائي الليلة باطلا ، ولعلي لا أصل إلى موضع آخر ، ولكن سأحمل هذه الحنطة خير من الرجوع بغير شيء . ثم بسط رداءه ليصب عليه الحنطة . فقال الرجل :
يذهب هذا بالحنطة وليس ورائي سواها ، فيجتمع علي مع العري ذهاب ما كنت أقتات به ، وما تجتمع والله هاتان الخلتان « 6 » على أحد إلا أهلكتاه . ثم صاح بالسارق ووثب إليه بهراوة « 7 » كانت عند رأسه ، فلم
هامش
( 1 ) مؤثرا : مفضلا
( 2 ) يجملان : يحسنان
( 3 ) خاصته : ما يختص به .
( 4 ) فضل : زيادة عن عوزه
( 5 ) بصر : لمح
( 6 ) الخلة : الصفة ، هنا في الفقر والحاجة .
( 7 ) هراوة : عصا ضخمة .