في صدره ولا يدري ما هو ، بل عرف أنه قد ظفر من ذلك بمكتوب مرقوم « 1 » . وكان كالرجل الذي لما استكمل الرجولة وجد أبويه قد كنزا له كنوزا وعقدا له عقدا « 2 » استغنى بها عن الكدح في ما يعمله من أمر معيشته فأغناه ما أشرف عليه من الحكمة عن الحاجة إلى غيرها من وجوه الأدب . فأول ما ينبغي لمن قرأ هذا الكتاب أن يعرف الوجوه التي وضعت له والرموز « 3 » التي رمزت فيه ، وإلى أي غاية جرى مؤلفه فيه عندما نسبه إلى البهائم ، وأضافه إلى غير مفصح « 4 » وغير ذلك من الأوضاع التي جعلها أمثالا ، فإن قارئه متى لم يفعل ذلك لم يدر ما أريد بتلك المعاني ولا أي ثمرة يجتني منها ولا أي نتيجة تحصل له من مقدمات ما تضمنه هذا الكتاب . وإنه إن كانت غايته منه استتمام قراءته والبلوغ إلى آخره دون تفهم ما يقرأ منه لم يعد عليه شيء يرجع إليه نفعه .
مكتشف الكنز
ومن استكثر من جمع الكتب وقراءة العلوم من غير إعمال الروية فيما يقرأه كان خليقا ألا يصيبه إلا ما أصاب الرجل الذي زعمت العلماء أنه اجتاز ببعض المفاوز « 5 » فظهر له موضع آثار كنز . فجعل يحفر ويطلب فوقع على شيء من عين « 6 » وورق « 7 » فقال في نفسه إن أخذت في نقل هذا المال قليلا طال علي وقطعني « 8 » الاشتغال بنقله وإحرازه « 9 » عن اللذة بما أصبت منه . ولكن سأستأجر أقواما يحملونه إلى منزلي
هامش
( 1 ) مرقوم : مخطوط
( 2 ) عقدا : أي عقارات
( 3 ) الرموز : الإشارات الخفية .
( 4 ) مفصح : موضح ناطق
( 5 ) المفاوز : جمع مفازة : الفلاة ، الصحراء لا ماء فيها .
( 6 ) عين : نقود ذهبية
( 7 ) ورق : نقود فضية
( 8 ) قطعني : منعني .
( 9 ) احرازه : حفظه .