وسامع منك ، حتى أستفرغ ما عندك إلى آخره ، وأجازيك على ذلك بما أنت أهله .
- 5 -
فقال بيدبا : إني وجدت الأمور التي اختص بها الإنسان ، من بين سائر الحيوان ، أربعة أشياء ، وهي جماع « 1 » ما في العالم ، وهي : الحكمة والعفة والعقل والعدل . والعلم والأدب والروية ، داخلة في باب الحكمة .
والحلم والصبر والوقار ، داخلة في باب العقل . والحياء والكرم والصيانة والأنفة « 2 » ، داخلة في باب العفة . والصدق والإحسان والمراقبة وحسن الخلق ، داخلة في باب العدل . وهذه هي المحاسن ، وأضدادها هي المساوئ .
فمتى كملت هذه في واحد ، لم يخرجه النقص في نعمته إلى سوء الحظ من دنياه ، ولا إلى نقص من عقباه « 3 » ، ولم يتأسف على ما لم يعن التوفيق ببقائه ، ولم يحزنه ما تجري به المقادير في ملكه ، ولم يدهش « 4 » عند مكروه . فالحكمة كنز لا يفنى على الإنفاق ، وذخيرة لا يضرب لها بالإملاق « 5 » ، وحلة لا تخلق « 6 » جدتها ، ولذة لا تصرم « 7 » مدتها ، ولئن كنت عند مقامي بين يدي الملك أمسكت « 8 » عن ابتدائه بالكلام ، فإن ذلك لم يكن مني إلا لهيبته والإجلال له . ولعمري إن الملوك لأهل أن يهابوا ، ولا سيما من هو في المنزلة التي جل فيها الملك عن منازل الملوك قبله . وقد قالت العلماء : إلزم السكوت فإن فيه السلامة ، وتجنب الكلام الفارغ فإن عاقبته الندامة .
وحكي أن أربعة من العلماء ضمهم مجلس ملك فقال لهم : ليتكلم كل منكم بكلام يكون أصلا للأدب .
هامش
( 1 ) جماع : جميع
( 2 ) الأنفة : الترفع عن الدنايا
( 3 ) عقباه : آخرته .
( 4 ) يدهش : يتحير
( 5 ) الاملاق : الفقر ، اي لا يفتقر صاحبها
( 6 ) تخلق : تبلى .
( 7 ) تصرم : تقطع
( 8 ) أمسكت : امتنعت .