التماس معروف تسوقه إلي ، ولكني أتيتك مشفقا عليك .
* * * فلما فرغ بيدبا من مقالته وقضى مناصحته ، أوغر « 1 » قلب الملك ، فأغلظ له في الجواب استصغارا لأمره وقال : لقد تكلمت بكلام ما كنت أظن أن أحدا من أهل مملكتي يستقبلني بمثله ، ولا يقدم على ما أقدمت عليه ، فكيف أنت ، مع صغر شأنك ، وضعف منتك « 2 » ، وعجز قوتك ؟ ولقد زاد إعجابي من إقدامك علي ، وتسلطك بلسانك فيما جاوزت فيه حدك . وما أجد شيئا في تأديب غيرك أبلغ من التنكيل بك « 3 » فذلك عبرة لمن عساه أن يبلغ ويروم ما رمت أنت من الملوك إذا أوسعوا لهم في مجالسهم ، ثم أمر به ان يقتل ويصلب .
فلما مضوا به فكر فيما أمر ، فأحجم « 4 » عنه . ثم أمر بحبسه وتقييده . فلما حبس أنفذ الملك في طلب تلامذته ومن كان يجتمع إليه ، فهربوا في البلاد واعتصموا « 5 » بجزائر البحار .
فمكث بيدبا في مجلسه أياما لا يسأل الملك عنه ولا يلتفت إليه ، ولا يجسر أحد أن يذكره عنده ، حتى إذا كان ليلة من الليالي سهد « 6 » الملك سهدا شديدا ، وطال سهده ، فمد إلى الفلك بصره ، وتفكر في تفلك « 7 » الفلك وحركات الكواكب فأغرق « 8 » الفكر فيه ، فسلك به إلى استنباط شيء عرض له من أمور الفلك ، والمسألة عنه . فذكر عند ذلك بيدبا ، وتفكر فيما كلمه فيه فارعوى « 9 » لذلك ، وقال في نفسه :
هامش
( 1 ) اوغر : ملأه غيظا
( 2 ) منتك : قوتك
( 3 ) التنكيل بك : معاقبتك بما يجعلك عبرة لغيرك
( 4 ) أحجم عنه : تأخر ورجع
( 5 ) اعتصموا : امتنعوا .
( 6 ) سهد : طار نومه
( 7 ) تفلك : استدارة
( 8 ) اغرق : بالغ وتعمق .
( 9 ) ارعوى : رجع عن رأيه .