فسمع الفيل نقيق الضفادع ، وقد جهده العطش ، فأقبل حتى وقع في الوهدة فاعتطم « 1 » فيها . وجاءت القنبرة ترفرف على رأسه وقالت :
أيها الطاغي ، المغتر بقوته ، المحتقر لأمري ، كيف رأيت عظم حيلتي مع صغر جثتي عند عظم جثتك وصغر همتك .
« فليشر كل واحد منكم بما يسنح « 2 » له من الرأي . قالوا بأجمعهم :
أيها الفيلسوف الفاضل ، والحكيم العادل ، أنت المقدم فينا ، والفاضل علينا ، وما عسى أن يكون مبلغ رأينا عند رأيك ، وفهمنا عند فهمك ؟ غير أننا نعلم أن السباحة في الماء مع التمساح تغرير « 3 » ، والذنب فيه لمن دخل عليه في موضعه . والذي يستخرج السم من ناب الحية فيبتلعه ليجربه على نفسه فليس الذنب للحية . ومن دخل على الأسد في غابته لم يأمن وثبته . وهذا الملك لم تفزعه النوائب ولم تؤدبه التجارب ، ولسنا نأمن عليك من سورته « 4 » ومبادرته « 5 » بسوء إذا لقيته بغير ما يجب .
فقال الحكيم بيدبا : لعمري ، لقد قلتم فأحسنتم ، لكن ذا الرأي الحازم لا يدع أن يشاور من هو دونه أو فوقه في المنزلة . والرأي الفرد لا يكتفي به في الخاصة ، ولا ينتفع به في العامة . وقد صحت عزيمتي على لقاء دبشليم . وقد سمعت مقالتكم وتبين لي نصحتكم والإشفاق عليّ وعليكم . غير أني قد رأيت رأيا ، وعزمت عزما ، وستعرفون حديثي عند الملك ومجاوبتي إياه . فإذا اتصل بكم خروجي من عنده فاجتمعوا إليّ . وصرفهم وهم يدعون له بالسلامة .
- 4 -
ثم إن بيدبا اختار يوما للدخول على الملك ، حتى إذا كان ذلك
هامش
( 1 ) اعتطم : هلك .
( 2 ) يسنح : يعرض ويخطر .
( 3 ) تغرير : تعريض النفس للهلكة .
( 4 ) سورته : حدته .
( 5 ) مبادرته : سبقه .