يبرح رحله « 1 » من اخوانه وأصدقائه من الصالحين موطوءا ، ولا يزال عنده منهم زحام ، يسرهم ويسرونه ، ويكون من وراء حاجاتهم وأمورهم فان الكريم إذا عثر لم يستقل الا بالكرام ، كالفيل إذا وحل لم يستخرجه الا الفيلة .
لا يرى العاقل معروفا صنعه ، وان كان كثيرا . ولو خاطر بنفسه وعرضها في وجوه المعروف ، لم ير ذلك عيبا . بل يعلم أنه انما أخطر الفاني بالباقي ، واشترى العظيم بالصغير .
وأغبط الناس عند ذوي العقل أكثرهم سائلا منجحا ومستجيرا آمنا .
لا تعد غنيا من لم يشارك في ماله ، ولا تعد نعيما ما كان فيه تنغيص وسوء ثناء . ولا تعد الغنم غنما إذا ساق غرما . ولا الغرم غرما إذا ساق غنما ولا تعتدّ من الحياة ما كان في فراق الأحبة .
ومن المعونة على تسلية الهموم وسكون النفس لقاء الأخ أخاه .
وافضاء كل واحد منهما إلى صاحبه ببثه .
وإذا فرّق بين الأليف وأليفه فقد سلب قراره وحرم سروره .
وقل ما ترانا نخلف عقبة من البلاء الا صرنا في أخرى .
لقد صدق القائل الذي يقول : لا يزال الرجل مستمرا ما لم يعثر ، فإذا عثر مرة واحدة في ارض الخبار « 2 » لجّ به العثار ، وان مشى في
هامش
( 1 ) الرحل : هنا مسكن الرجل ومنزلته وبيته .
( 2 ) الخبار : الأرض السهلة اللينة التي تكثر فيها الحفر فتتهور فيها الاقدام وتسوخ فيها القوائم فكلما سار فيها انسان أو حيوان سقط ثم قام وهكذا . وفي الحديث الشريف : فدفعنا في خبار من الأرض . ومن أمثال العرب : من تجنب الخبار أمن العثار .