وإني إنما صحبتكن بنفسي ولم أصحبكن بقلبي وأعمالي لأني أعرف ثمرة الأعمال فلزمت حالي ، وإنما صحبتكن مودة مني لكن ، فإن كانت صحبتي تضركن فالأماكن والمواضع كثيرة .
وثبت ابن آوى على حاله تلك واشتهر بالنسك والتزهد حتى بلغ ذلك أسدا كان ملك تلك الناحية . فرغب فيه لما بلغه عنه من العفاف والنزاهة والأمانة ، فأرسل إليه يستدعيه . فلما حضر كلمه وآنسه فوجده في جميع أموره على غرضه . ثم دعاه بعد أيام إلى صحبته وقال له : تعلم أن عمالي كثير وأعواني جم « 1 » غفير « 2 » وأنا مع ذلك إلى الأعوان محتاج ، وقد بلغني عنك عفاف وأدب وعقل ودين ، وقد اختبرتك فوجدتك كذلك فازددت فيك رغبة وأنا موليك من عملي ورافعك إلى منزلة شريفة وجاعلك من خاصتي .
قال ابن آوى : إن الملوك أحقاء « 3 » باختيار الأعوان فيما يهتمون به من أعمالهم وأمورهم ممن لهم الخبرة بذلك ، وهم أحرى ألا يكرهوا « 4 » على ذلك أحدا ، فإن المكره لا يستطيع المبالغة في العمل ، وإني لعمل السلطان كاره وليس لي به تجربة ولا بالسلطان رفق « 5 » وأنت ملك السباع وعندك من أجناس الوحوش عدد كثير فيهم أهل نبل وقوة ولهم على العمل حرص وعندهم به وبالسلطان رفق . فإن استعملتهم أغنوا عنك « 6 » واغتبطوا « 7 » لأنفسهم بما أصابهم من ذلك .
قال الأسد : دع عنك هذا فإني غير معفيك من العمل .
قال ابن آوى : إنما يقدم على خدمة السلطان غير هائب رجلان
هامش
( 1 ) جم : جمع .
( 2 ) غفير : كثير .
( 3 ) احقاء : جمع حقيق بمعنى أهل .
( 4 ) يكرهوا : يجبروا .
( 5 ) رفق : حسن تصرف .
( 6 ) اغنوا عنك : نفعوك .
( 7 ) اغتبطوا : عدوا أنفسهم سعداء