أن يفكر فيه ويدبره ، وأن لا يوجه إلى الأعمال إلا من يثق بدينه وأمانته وعفته . ثم عليه بعد ذلك إنفاذ « 1 » من يثق به للكشف عن اعمالهم وتفقد أمورهم بالسر الخفي حتى لا يخفى عليه إحسان محسن ولا إساءة مسيء ، فإن لم يفعل ذلك تهاون المحسن واجترأ المسئ وفي عرض « 2 » ذلك تهلك الرعية ويفسد الملك والمثل في ذلك مثل الأسد وابن آوى الناسك . قال الملك وكيف كان ذلك ؟
قال الفيلسوف : زعموا أن ابن آوى كان يسكن في بعض الدحال « 3 » وكان متزهدا متعففا مع بنات آوى وذئاب وثعالب ، ولم يكن يصنع ما يصنعن ولا يغير « 4 » كما يغرن ولا يهريق « 5 » دما ولا يأكل لحما ولا يظلم طرفة عين . فخاصمه تلك السباع « 6 » وقلن : نحن لا نرى سيرتك « 7 » ولا رأيك الذي أنت عليه على تزهدك مع أن تزهدك لا يغني « 8 » عنك شيئا . وأنت لا تستطيع أن تكون إلا كأحدنا ، تسعى معنا وتفعل فعلنا . وأي شيء يشبه كفك عن الدماء وعن أكل اللحم ؟
قال ابن آوى : إن صحبتي إياكن لا تؤثمني « 9 » إذا لم أؤثم بنفسي ، لأن الآثام ليست من قبل الأماكن والأصحاب ولكنها من قبل القلوب والأعمال . ولو كان صاحب المكان الصالح يكون عمله فيه صالحا وصاحب المكان السيء يكون عمله فيه سيئا ، كان حينئذ من قتل الناسك في محرابه « 10 » لم يأثم ، ومن استحياه « 11 » في معركة القتال أثم .
هامش
( 1 ) انفاذ : ارسال .
( 2 ) عرض الامر : جانبه .
( 3 ) الدحال : جمع دحل وهو ثقب فمه ضيق وأسفله متسع .
( 4 ) يغير : يغزوا .
( 5 ) يهريق : يهرق يسكب .
( 6 ) السباع : الحيوانات المفترسة .
( 7 ) سيرتك : تصرفك .
( 8 ) لا يغني : لا يمنع .
( 9 ) تؤثمني : تجعلني ذا اثم اي ذنب .
( 10 ) المحارم : مقام الامام في المسجد ، هيكل الصلاة .
( 11 ) استحياه : أبقاه حيا .