قال فنزة : إن الرجل الذي في باطن قدمه قرحة إن هو حرص على المشي لا بد أن تنكأ « 1 » قرحته ، والرجل الأرمد العين إذا استقبل بها الريح تعرض لأن تزداد رمدا ، وكذلك الواتر إذا دنا من الموتور فقد عرض نفسه للهلاك . ولا ينبغي لصاحب الدنيا إلا توقي المهالك والمتالف « 2 » وتقدير الأمور وقلة الاتكال على الحول « 3 » والقوة وقلة الاغترار بمن لا يأمن . فإنه من اتكل على قوته فحمله ذلك على أن يسلك الطريق المخوف فقد سعى في حتف « 4 » نفسه ، ومن لا يقدر لطاقته طعامه وشرابه وحمل نفسه ما لا تطيق ولا تحمل فقد قتل نفسه ، ومن لم يقدر لقمته وعظمها فوق ما يسع فوه فربما غصّ بها فمات . ومن اغتر بكلام عدوه وانخدع له وضيع الحزم فهو اعدى « 5 » لنفسه من عدوه . وليس لأحد النظر في القدر الذي لا يدري ما يأتيه منه ولا ما يصرف عنه ، ولكن عليه العمل بالحزم والأخذ بالقوة ومحاسبة نفسه في ذلك . والعاقل لا يثق بأحد ما استطاع ولا يقيم على خوف يجد عنه مذهبا . وأنا كثير المذاهب وأرجو ألا أذهب وجها إلا أصبت فيه ما يغنيني ، فإن خلالا « 6 » خمسا من تزودهن كفينه في كل وجه وآنسنه في كل غربة وقربن له البعيد واكسبنه المعاش والاخوان : أولاهن كف الأذى ، والثانية حسن الأدب ، والثالثة مجانبة الريب ، والرابعة كرم الخلق ، والخامسة النبل في العمل . وإذا خاف الإنسان على نفسه شيئا طابت نفسه عن المال « 7 » والأهل والولد والوطن فإنه يرجو الخلف من ذلك كله ولا يرجو عن النفس خلفا . وشر المال ما لا إنفاق منه ، وشر الأزواج التي لا تؤاتي « 8 » بعلها ، وشر الولد العاصي العاق لوالديه « 9 » ، وشر الإخوان « 10 »
هامش
( 1 ) تنكأ : تقشر .
( 2 ) المتالف : بمعنى المهالك .
( 3 ) الحول : القدرة .
( 4 ) حتف : هلاك .
( 5 ) اعدى : تفضيل من العداوة .
( 6 ) خلال : صفات .
( 7 ) طابت نفسه عنه : تخلى عنه غير آسف .
( 8 ) تؤاتي : تطاوع وتلاين .
( 9 ) عاق والديه : الذي لا يفيهما حق التربية .
( 10 ) الاخوان : الأصدقاء .