قال دمنة : دع عنك هذا الكلام واحتل لنفسك .
قال شتربة : بأي شيء أحتال لنفسي إذا أراد الأسد أكلي مع ما عرفتني من رأي الأسد وسوء أخلاقه ؟ وأعلم أنه لو لم يرد بي إلا خيرا ، ثم أراد أصحابه بمكرهم وفجورهم هلاكي لقدروا على ذلك .
فإنه إذا اجتمع المكرة « 1 » الظلمة على البريء الصالح كانوا خلقاء « 2 » أن يهلكوه وإن كانوا ضعفاء وهو قوي ، كما أهلك الذئب والغراب وابن آوى الجمل حين اجتمعوا عليه بالمكر والحديعة والخيانة .
مثل الذئب والغراب وابن آوى مع الجمل والأسد
قال الثور شتربة : زعموا أن أسدا كان في أجمة مجاورة لطريق من طرق الناس ، وكان له أصحاب ثلاثة : ذئب وغراب وابن آوى .
وإن رعاة مروا بذلك الطريق ومعهم جمال فتخلف منها جمل فدخل تلك الأجمة حتى انتهى إلى الأسد . فقال له الأسد : من أين أقبلت ؟
قال : من موضع كذا . قال : فما حاجتك ؟ قال : ما يأمرني به الملك . قال : تقيم عندنا في السعة والأمن والخصب . فأقام الأسد والجمل معه زمانا طويلا . ثم إن الأسد مضى في بعض الأيام لطلب الصيد ، فلقي فيلا عظيما فقاتله قتالا شديدا وأفلت منه مثقلا مثخنا بالجراح يسيل منه الدم ، وقد خدشه الفيل بأنيابه . فلما وصل إلى مكانه وقع لا يستطيع حراكا ولا يقدر على طلب الصيد فلبث الذئب والغراب وابن آوى أياما لا يجدون طعاما لأنهم كانوا يأكلون من فضلات الأسد وطعامه ، فأصابهم وأصابه جوع شديد وهزال ، وعرف الأسد
هامش
( 1 ) المكرة : جمع ماكر أي صاحب الخديعة والغش .
( 2 ) خلقاء : جمع خليق بمعنى أهل ، جدير .