مجتمعون ، فدعى الحسن وأجلسه على فخذه الأيمن وأجلسني على فخذه الأيسر ، ثمّ لم يرض بذلك حتّى قبّل الحسن في فمه بعد أن شمّه طويلًا . وأمّا أنا فأعرض عن فمي وقبّلني في نحري فلو أحبّني ولم يبغضني لقبّلني مثل أخي ، هل في فمي شيء يكرهه يا أمّاه شمِّيه أنت . قالت الزّهراء : هيهات يا ولدي ! واللَّه العظيم ما في قلبه مقدار حبّة خردل من بغضك ، فقال : يا أمّاه ! كيف لا يكون ذلك وقد عمل هذا ؟ قالت : واللَّه يا ولدي ! إنِّي سمعته كثيراً يقول : حسين منِّي وأنا منه ، ألا ومَنْ آذى حسيناً فقد آذاني ، أمّا تذكر يا ولدي ، لما تصارعتما بين يديه جعل يقول : إيهاً يا حسن ! فقلت له : كيف يا أبتاه تنهض الكبير على الصّغير ؟ ! فقال : يا بنتاه ! هذا جبرئيل ينهض الحسين وأنا أنهض الحسن . وإنّه يا ولدي مرّ يوماً جدّك على منزلي وأنت تبكي في المهد ، فدخل أبي وقال لي : سكِّتيه يا فاطمة ، ألم تعلمي أنّ بكائه يؤذيني وكذلك الملائكة بكاؤه يؤذيهم ، وقال مراراً : اللَّهمّ إنِّي أحبّه وأحبّ من يحبّه ، فكيف يا ولدي تلك ؟ لكن سر بنا إلى جدّك .
فأخذت بيد الحسين وهي تجرّ أذيالها حتّى أتت إلى باب المسجد ، فما رأت غير الإمام والنّبيّ صلى الله عليه وآله : فلمّا رآها النّبيّ تنفّس الصّعداء وبكى كمداً ، فجرت دموعه على خدّيه حتّى بلّت كمّيه ، فقالت : السّلام عليك يا أبتاه . فقال : وعليك السّلام يا فاطمة ورحمة اللَّه وبركاته . قالت له : يا سيِّدي ! كيف تكسر خاطر الحسين ؟ أما قلتَ أنّه ريحانتي الّتي أرتاح إليها ؟ ! أما قلت هو زين السّماوات والأرض ؟ ! قال : نعم يا بنتاه .
هكذا قلت ، قالت : أجل ، كيف ما قبّلته كأخيه الحسن وقد أتاني باكياً فلم أزل أسكِّته فلم يسكت وأسليه فلم يتسلّ وأعزيه فلم يتعزّ ؟ ! قال يا بنتاه ! هذا سرّ أخاف عليك إذا سمعتيه ينكدر عيشك وينكسر قلبك ، قالت : بحقّك يا أبتاه ألا تخفيه عليَّ ، فبكى وقال :
إنّا للَّهوإنّا إليه راجعون ، يا بنتاه ! يا فاطمة ! هذا أخي جبرئيل أخبرني عن الملك الجليل أن لا بدّ للحسن أن يموت مسموماً تسمّه زوجته بنت الأشعث لعنه اللَّه ، فشمته بموضع سمّه ، ولابدّ للحسين أن يموت منحوراً بسيف الشّمر لعنه اللَّه فشممته بموضع نحره .
فلمّا سمعت ذلك ، بكت بكاءً عالياً ، ولطمت على وجهها ، وحثت التّراب على رأسها ،
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 384
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٣٨٤