منها :
وبآخر ، عن سعيد بن جبير ، قال : رأيت عبداللَّه بن عبّاس جالساً على شفير زمزم ، إذ وقف إليه رجل وهو يحدّث النّاس ، فقام بين يديه وقال : يا ابن عبّاس ، إنّي امرؤ من أهل الشّام ، أتيتك أسألك . فقال ابن عبّاس : أعوان كلّ ظالم إلّامن عصم اللَّه منهم ، سَلْ عمّا بدا لك ! قال : أتيتك أسألك عن عليّ بن أبي طالب ، وقتاله وقتله أهل لا إله إلّااللَّه لم يكفروا بصلاةٍ ولا بصيامٍ ولا بزكاةٍ ولا حجّ . فقال ابن عبّاس : يا شاميّ ! سَلْ عمّا يعنيك ، قال : إنِّي لم آتك أضرب من حمص لحجّ ولا لعمرة ، ولا جئت إلّاأن أسألك عمّا سألتك عنه ، ولتشرحه لي . فقال له ابن عبّاس : إنّ علم العالم صعب لا يُحتمل ولا تقربه أكثر القلوب ، إنّ مثل عليّ فيكم كمثل العالم وموسى عليهم السلام . قال اللَّه عزّ وجلّ لموسى :
« يا مُوسى إنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى الْنّاسِ بِرِسالاتِي وَبِكَلامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشّاكِرِينَ » « 1 » ، وقال : « وَكَتَبْنا لَهُ فِي الألواحِ مِنْ كُلِّ شَيء » « 1 » . وكان موسى عليه السلام يرى أن الأشياء كلّها أثبتت له في الألواح ، كما ترون أنتم أنّ علماءكم قد أثبتوا لكم الأشياء كلّها ، وإنّما قال اللَّه عزّ وجلّ أنّه كتب لموسى عليه السلام من كلّ شيء ولم يقل أنّه كتب له فيها كلّ شيىء . فلمّا أتى موسى السّاحل ولقي العالم وكلّمه عرف فضله ولم يحسده على علمه كما حسدتم أنتم عليّاً عليه السلام على علمه وفضله الّذي جعله اللَّه عزّ وجلّ له فرغب موسى إليه وأحبّ صحبته كما أخبر اللَّه عزّ وجلّ بذلك عنه في كتابه فعلم أنّ موسى عليه السلام لا يصبر على ما يكون منه ما لم ينته إليه علمه ، فتقدّم في ذلك إليه ، وقال : « فَإن اتَّبَعْتَني فَلا تَسْأ لْنِي عَنْ شَيْءٍ حَتّى احْدِثَ لَكَ مِنْهُ ذِكْراً » « 2 » ، فخرق السّفينة ، وكان خرقها للَّهسبحانه رضاً ، وسخط بذلك موسى عليه السلام وأنكره عليه ، وقتل الغلام وكان قتله للَّهعزّ وجلّ رضاً وسخط ذلك موسى عليه السلام وأنكره عليه ، وأقام الجدار وكان إقامته للَّهعزّ وجلّ رضاً ، وسخط
هامش
( 1 ) - الأعراف : 144 - 145 .
( 2 ) - الكهف : 70 .