ديني ، ولا أقرب دينكم ما حييت . فقدّمه ، فضرب عنقه ، وجمع معقل النّاس ، فقال :
أدّوا ما عليكم في هذه السّنين من الصّدقة . فأخذ من المسلمين عقالين ، وعمد إلى النّصارى وعيالهم فاحتملهم مقبلًا بهم ، وأقبل المسلمون معهم يشيّعونهم ، فأمر معقل بردِّهم ، فلمّا انصرفوا تصافحوا فبكوا ، وبكى الرِّجال والنِّساء بعضهم إلى بعض . قال : فأشهد أنِّي رحمتُهم رحمة ما رحمتُها أحداً قبلهم ولا بعدهم .
قال : وكتب معقل بن قيس إلى عليّ : أمّا بعد ، فإنِّي أخبر أمير المؤمنين عن جنده وعدوّه ؛ إنّا دفعنا إلى عدوّنا بالأسياف ، فوجدنا بها قبائل ذات عدّة وحدّة وجدّ ، وقد جُمعت لنا ، وتحزّبت علينا ، فدعوناهم إلى الطّاعة والجماعة ، وإلى حكم الكتاب والسّنّة ، وقرأنا عليهم كتاب أمير المؤمنين ، ورفعنا لهم راية أمان ، فمالت إلينا منهم طائفة ، وبقيت طائفة أخرى منابذة ، فقبلنا من الّتي أقبلت ، وصمدنا صمداً للّتي أدبرت ، فضرب اللَّه وجوههم ونُصِرنا عليهم ؛ فأمّا مَنْ كان مسلماً فإنّا مننّا عليه وأخذنا بيعته لأمير المؤمنين ، وأخذنا منهم الصّدقة الّتي كانت عليهم ، وأمّا من ارتدّ فإنّا عرضنا عليه الرّجوع إلى الإسلام وإلّا قتلناه . فرجعوا غير رجل واحد ، فقتلناه ؛ وأمّا النّصارى فإنّا سبيناهم ، وقد أقبلنا بهم ليكونوا نكالًا لمن بعدهم من أهل الذّمّة ، لكيلا يمنعوا الجزية ، ولكيلا يجترئوا على قتال أهل القبلة ، وهم أهل الصّغار والذّلّ ، رحمك اللَّه يا أمير المؤمنين ، وأوجب لك جنّات النّعيم ؛ والسّلام عليك !
ثمّ أقبل بهم حتّى مرّ بهم على مصقلة بن هبيرة الشّيبانيّ ، وهو عامل عليّ على أردشير خُرّه ، وهم خمسمائة إنسان ، فبكى النّساء والصّبيان ، وصاح الرّجال : يا أبا الفضل ، يا حامي الرِّجال « 1 » ، وفكّاك العُناة ، امنن علينا فاشترنا وأعتقنا ؛ فقال مصقلة : أقسم باللَّه لأتصدّقنّ عليهم ، إنّ اللَّه يجزي المتصدّقين . فبُلّغها عنه معقل ، فقال : واللَّه لو أعلم أنّه قاله توجّعاً لهم ، وزراءً عليكم ، لضربتُ عنقه ، ولو كان في ذلك تفاني تميم وبكر بن وائل . ثمّ إنّ مصقلة بعث ذُهل بن الحارث الذّهليّ إلى معقل بن قيس ، فقال له : بِعني بني ناجية ؛
هامش
( 1 ) - بعدها في ابن الأثير : « ومأوى المعضب » .