القوم إنّما يطلبونني ، ولو قد أصابوني لهواً عن طلب غيري . فأبوا ذلك كلّهم كما قال ابن حماد :
لست أنساه حين أيقن بالمو * ت دعاهم وقام فيهم خطيبا
ثمّ قال ارجعوا إلى أهلكم فل * - يس سواي أرى لهم مطلوبا
فأجابوه والعيون سكوب * وحشاهم قد شبّ منها لهيباً « 1 »
أيّ عذر لنا غداً حين نلقى * جدّك المصطفى ونحن حروبا
فقال مسلم بن عوسجة الأسديّ : واللَّه لو علمت أنّي اقتل ثمّ أحيى ثمّ احرق ثمّ أذرى يفعل بي ذلك سبعين مرّة ما تركتك ، فكيف وإنّما هي قتلة واحدة ، ثمّ الكرامة إلى الأبد ؟ وتكلّم سعيد بن عبداللَّه الحنفيّ ، وزهير بن القين ، وجماعة من أصحابه بكلام يشبه بعضه بعضاً . فأوصى الحسين عليه السلام أن لا يشقّوا عليه جيباً ولا يخمشوا وجهاً ولا يدعى بالويل والثّبور ، وباتوا قارئين راكعين ساجدين . ابن شهرآشوب ، المناقب ، 4 / 98 - 99
فجمع الحسين أصحابه ، وقال : إنّي قد أذنتُ لكم فانطلقوا في هذه اللّيلة ، فاتّخذوه جَمَلًا ، وتفرّقوا في سوادكم ومدائنكم ، فإنّ القوم إنّما يطلبوني ، ولو قد أصابوني لَهَوْا عن طلب غيري . فقال أخوه العبّاس : لِمَ نفعل ذلك ، لنبقى بعدك ؟ ! لا أرانا اللَّه ذلك أبداً .
ثمّ تكلّم إخوته وأولاده وبنو أخيه وبنو عبداللَّه بن جعفر بنحو ذلك ، فقال الحسين :
يا بني عقيل ، حسبكم من الفتك بمسلم « 2 » ، اذهبوا فقد أذنت لكم . فقالوا : لا واللَّه ، بل نفديك بأنفسنا وأهلينا ، فقبّح اللَّه العيش بعدك .
وقال مسلم بن عوسجة ، واللَّه لو لم يكن معي سلاح أقاتلهم به لرميتهم بالحجارة ، وقال سعيد بن عبداللَّه الحنفيّ : واللَّه لا نخلّيك حتّى يعلم اللَّه أنّنا قد حفظنا غيبة رسول اللَّه فيك ، واللَّه لو علمت أنِّي اقتل ، ثمّ أحيى ، ثمّ أحرق حيّاً ، ثمّ أذرى تسعين مرّة ما فارقتك
هامش
( 1 ) - سكب الماء : انصبّ ، وشبّ النّار : أوقدها .
( 2 ) - في الأصل : « القتل بمسلم » .