قال : وغضب رجال اليمنية ، فأتاهم سعيد بن قيس الهمدانيّ ، فقال : ما رأيتُ قوماً أبعد رأياً منكم ، أرأيتم إن عصيتم على عليّ هل لكم إلى عدوّه وسيلة ؟ وهل في معاوية عِوضٌ منه ، أو هل لكم بالشّام من بدله بالعراق « 1 » ، أو تجد ربيعة ناصراً من مضر ؟ القول ما قال ، والرّأي ما صنع .
قال : فتكلّم حريث بن جابر ، فقال : يا هؤلاء ، لا تجزعوا ؛ فإنّه إن كان الأشعث ملكاً في الجاهليّة وسيّداً في الإسلام ، فإنّ صاحبنا أهلُ هذه الرّياسة وما هو أفضل منها . فقال حسّان للأشعث : لك رايةُ كندة ، ولي راية ربيعة . فقال : مَعاذ اللَّه ، لا يكون هذا أبداً ، ما كان لك « 2 » فهو لي ، وما كان لي فهو لك .
وبلغ معاوية ما صنع بالأشعث ، فدعا مالك بن هبيرة ، فقال : اقذفوا إلى الأشعث شيئاً تهيّجونه على عليّ . فدعوا شاعراً لهم فقال هذه الأبيات ، فكتب بها مالك بن هبيرة إلى الأشعث ، وكان له صديقاً ، وكان كنديّاً :
مَنْ كان في القومِ مثلوجاً بأسرته * فاللَّه يعلم أنِّي غير مثلوجِ
زالت عن الأشعث الكنديّ رياستُه * واستجمع الأمرَ حسانُ بنُ مخدوجِ
يا للرّجالِ لعارٍ ليس يغسله * ماءُ الفرات وكربٍ غيرِ مفروجِ
إنْ تَرضَ كندة حسّاناً بصاحبها * يَرضَ الدُّناةُ وما قحطانُ بالهوجِ
هذا لعمركَ عارٌ ليس ينكره * أهلُ العراقِ وعارٌ غير ممزوجِ
كان ابنُ قيسٍ هُماماً في أرومتهِ * ضخماً يبوءُ بملكٍ غير مفلوجِ
ثمّ استقلّ بعارِ في ذوي يمنٍ * والقومُ أعداء يأجوجٍ ومأجوجِ
إنّ الّذين تولّوا بالعراق له * لا يستطيعون طُرُّا ذبحَ فَرُّوجِ
هامش
( 1 ) - في الأصل : « أو هل لك بالشّام من بدلة بالعراق » .
( 2 ) - في الأصل : « ذلك » .