برير : ثمّ ماذا ؟ قالوا : إراقة دمائكم ، فقال برير : إراقة الدّماء أشهى إليَّ من إراقة الماء ، ويلكم ما ذاقَ منّا أحد طعم فراتكم وإنّما همّتنا ري أكباد أطفال الحسين عليه السلام وعياله ، فوَ اللَّه لا ندعكم حتّى تُراق دمائنا حول هذه القربة .
فقال أحدهم : إنّ هؤلاء مستميتون على يسير ماء ولا يجدي لهم نفعاً ، وقال بعضهم :
لا تخالفوا حكم الأمير ، فحاطوا بهم حلقاً ، فوضع برير وأصحابه القربة على الأرضوجثوا دونها ، وبرير يبكي ويقول : وا لهفتاه على أكباد البنات ، صدّ اللَّه رحمته عمّن صدّنا عنكنّ ، فحملها رجل على عاتقه ، فاحتوشوهم الحرسة وجعلوا يرشقون القربة بالسّهام ، فأصاب حبل القربة سهم حتّى خاطه إلى عاتق الرّجل وسال الدّم على ثوبه وقدميه .
فلمّا نظر الدّم يسيل والقربة سالمة ، قال : الحمدُ للَّهالّذي جعل رقبتي وقاء لقربتي ، فلمّا رأى برير أن القوم غير تاركيه ، صاح بأعلى صوته : ويلكم يا أعوان بني سفيان ، لا تثيروا الفتنة ، دعوا أسياف بني همدان في مغامدها .
وكان حول الحسين عليه السلام جماعة ، فقال رجل منهم : إنِّي أسمع صوت برير ينتدب ويعظ القوم ، فقال الإمام عليه السلام : الحقوا به ، فركب جماعة إليهم ، فلمّا رأوهم الحرسة رجعوا منهزمين .
فجاء برير بالماء حتّى دنا من الخيمة ، فرمى القربة وقال : اشربوا يا آل الرّسول صلى الله عليه وآله هنيئاً مريئاً ، فتباشرت الأطفال بالماء وصِحْنَ صيحة واحدة : هذا برير جاءنا بالماء ، ورمينَ بأنفسهنّ على القربة ، فمنهنّ مَن يحضنها ، ومنهنّ مَن تضع خدّها عليها ، ومنهنّ مَن تلقي فؤادها عليها ، فلمّا كثر ازدحامهنّ على القربة انفلت الوكاء وأريق الماء ، وتصارخت الفتيات وصحنَ : أريق الماء يا برير ، فجعل يلطم جبينه بيده ويقول :
وا لهفتاه على أكباد بنات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وسلم ، انتهت هذه الرّواية .
الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 394 - 395
موسوعة الإمام الحسين ( ع ) ( تاريخ امام حسين ع ) — صفحة 231
مساهمون: مكتب طباعة الكتب المساعدة التعليمية
ص٢٣١