قال أبو مخنف : وإذا بأربعة نفر قد أقبلوا على رواحهم من الكوفة ، يحثّون السّير على أفراسهم ، وإذا هم نافع بن هلال المراديّ ، وعمرو بن خالد الصّيداويّ ، وسعيد « 1 » مولى عمرو « 1 » ، ومجمع بن عبداللَّه المذحجيّ ، قال : فلمّا نظر الطّرمّاح ، أخذ بزمام ناقة الحسين - صلوات اللَّه عليه - وأنشأ يقول :
يا ناقتي لا تذعري من زجري * وشمّري قبل طلوع الفجرِ
بخير ركبان وخير سفر * أثابه اللَّه بخير أجرِ
الماجد الجدّ رحيب الصّدر * حتّى تجلّى بجليل القدرِ
قال : وأقبل الحرّ إليه وقال له : يا حسين ، إنّ هؤلاء قد أقبلوا إليك وأنا أريد أن أردّهم ، قال : إنِّي أمنع عنهم كما أمنع عن نفسي ، أليس هم أعواني وأنصاري ، وقد كنت قد أعطيتني عهداً أنّك لا تتعرّض بي حتّى يأتيك كتاب من ابن زياد ( لعنه اللَّه ) ؟
فإن كنت على ما كان بيني وبينك وإلّا نازلتك الحرب ، فكفّ الحرّ عنهم ، فقال لهم الحسين عليه السلام : أخبروني عن النّاس ، فقالوا : يا ابن رسول اللَّه ، أمّا الأشراف فقد ملئت غرائرهم ، وأمّا سائر النّاس فقلوبهم معك وأسيافهم عليك ، فقال : هل لكم برسولي قيس بن المسهّر علم ؟ فقالوا : أخذه الحصين بن نمير وبعث به إلى ابن زياد ( لعنه اللَّه ) ، فقتله .
فلمّا سمع الحسين عليه السلام تغرغرت عيناه بالدّموع ، ثمّ قرأ : « فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَما بَدَّلُوا تَبْدِيلًا » .
ثمّ قال : اللَّهمّ اجعل الجنّة لنا ولهم منزلًا ، واجمع بيننا وبينهم في مستقرّ رحمتك .
فأقبل الطّرمّاح إلى الحسين عليه السلام وأخذ بزمام ناقته وقال له : يا ابن رسول اللَّه ، لو لم يقاتلك إلّاهؤلاء الّذين تراهم لكفوك ، وقد رأيت قبل خروجي من الكوفة من النّاس ما لم أعاين مثلهم قطّ في جمع أكثر منهم ، فسألت عنهم ، فقيل : إنّهم جمعوا ليعرضوا أو
هامش
( 1 - 1 ) [ المطبوع : ابن مولى ] .