الامتناع من الغناء وقدومه المدينة للاستشفاء :
كان ابن سُريج قد أصابتهُ الرِّيح الخبيثة ، وآلى يميناً ألّا يُغنِّي ، ونَسَك ولزم المسجد الحرام حتّى عوفي ، ثمّ خرج وفيه بقيّة من العلّة ، فأتى قبر النّبيّ ( ص ) وموضع مصلّاه ، فلمّا قدم المدينة ، نزل على بعض إخوانه من أهل النُّسُك والقراءة ، فكان أهل الغناء يأتوه مسلِّمين عليه فلا يأذن لهم في الجلوس والمحادثة ، فأقام بالمدينة حولًا حتّى لم يُحسّ من علّته بشيء ، وأراد الشّخوص إلى مكّة .
سكينة ترغب في الاستماع منه :
وبلغ ذلك سُكينة بنت الحسين ، فاغتمّت اغتماماً شديداً وضاق به ذرعُها ، وكان أشعب يخدمها ، وكانت تأنس بمضاحكته ونوادره ، وقالت لأشعب : ويلك إنّ ابن سُريج شاخص ، وقد دخل المدينة منذ حولٍ ولم أسمع من غنائه قليلًا ولا كثيراً ، ويعزّ ذلك عليَّ ، فكيف الحيلة في الاستماع منه ولو صوتاً واحداً ؟ فقال لها أشعب : جُعِلتُ فداكِ وأنّى لكِ بذلك والرّجل اليوم زاهد ولا حيلة فيه ، فارفعي طعمكِ وامسحي بُوزَكِ « 1 » تنفعكِ حلاوة فمكِ ، فأمرت بعض جواريها فوطِئنَ بطنه حتّى كادت أن تخرج أمعاؤه ، وخنقته حتّى كادت نفسه أن تتلف ، ثمّ أمرت به فسُحِبَ على وجهه حتّى أُخرج من الدّار إخراجاً عنيفاً ، فخرج على أسوأ الحالات ، واغتمّ أشعب غمّاً شديداً ، وندم على ممازحتها في وقت لم ينبغ له ذلك ، فأتى منزل ابن سُريج ليلًا فطرقه ، فقيل من هذا ؟ فقال : أشعب ، ففتحوا له ، فرأى على وجهه ولحيته التّراب . والدّم سائلًا من أنفه وجبهته على لحيته ، وثيابه ممزّقة ، وبطنه وصدره وحلقه قد عصرها الدّوس والخنق ، ومات الدّم فيها « 2 » ، فنظر ابن سُريج إلى منظر فظيع هاله وراعه ، فقال له : ما هذا ويحك ؟ فقصّ عليه القصّة ، فقال ابن سُريج : إنّا للَّهوإنّا إليه راجعون ، ماذا نزل بك ؟ والحمد للَّهالّذي سلّم نفسك ، لا تعودنّ
هامش
( 1 ) - هكذا في المطبوع وبعض المخطوطات ، والبوز كلمة عامِّيّة معناها الفم ، وفي مخطوط : والحسي قورك ، ولعلّها : والحسي قدرك
( 2 ) - لم يذكر في مخطوط كلمة : مات