وكثر الازدحام عليهم ، فقال برير لأصحابه : إنّ الرّأي أن يأخذ أحد منّا القربة ويذهب بها ونحن نقاتل ، فحملها رجل من القوم وسار بها يريد الخيام ، إذ أتاه سهم فوقع في حبل القربة وخاطها في عنقه ، فسال الدّم على صدره ، فمدّ يده وأخرج السّهم من عنقه والدّم يجري ، وهو يقول : الحمد للَّهالّذي جعل رقبتي فداء للقربة وفداء لأطفال الحسين عليه السلام ، فوقف برير يقاتل وينادي : يا آل أبي سفيان ! اتّقوا اللَّه ولا تثيروا الفتنة ، ودعوا سيوف همدان في أغمادها ، فسمعه الحسين عليه السلام وقال : معاشر الكرام ، كأ نّي أسمع صوت برير يعظ القوم وينتدب بآل همدان ؟ ! فحمل من أصحاب الحسين عليه السلام اثنا عشر رجلًا وكشفوا القوم عن برير ورجعوا جميعاً إلى الخيام وجاؤوا بالقربة ووضعوها بين أطناب الخيم ونادوا : يا بنات رسول اللَّه ! دونكم الماء ، فأقبلن يهرعن إليها ، فاجتمعن يدرن حول القربة ، فمنهم من يضع خدّه على القربة من شدّة العطش ، ومنهم من رمى بنفسه عليها ، فإذا انحلّ الوكاء وأريق ماؤها ، ولم يبق منها قطرة واحدة ، ولم تذق واحدة منهنّ شيئاً ، فصحن بأجمعهنّ : واويلاه ! واثبوراه ! وخرجن من الخيمة وصحن : يا برير ! أريق الماء ؛ فلمّا سمع برير ، جعل يلطم على رأسه ويقول : والهفتاه على أكباد بنات رسول اللَّه صلى الله عليه وآله :
بنفسي نساء السّبط يبكين حوله * ظمايا حيارى حاسرات وثكّلا
عطاشى على شاطي الفرات فما لهم * سبيل إلى قرب المياه ورود
نعم ، ينظر الأطفال والعيال إلى الماء ، ويرون أهل الكوفة يشربون ومع دوابّهم وخيولهم يتمرّغون في الماء ، وهم يتحسّرون ويتأوّهون لأجل قطرة منها ، ويجلسون حلقاً حلقاً وذكرهم العطش والماء ، وأبو الأئمّة الحسين عليه السلام يقف أمامهم ويعظهم ، ويطلب منهم جرعة من الماء ، ويخبرهم بحال أطفاله وعياله ، وأ نّهم قد أشرفوا على الهلاك ، وهم لا يجيبونه :
بأبي الإمام المستظام بكربلا * يدعو وليس لما يقول مجيب