فاستقبلته « 1 » ووضعت له متّكئا وجلس يحدّثها سرّا ، فما لبثت أن اختنقت بعبرتها وقالت :
وا أخاه ! أشاهد مصرعك وأبتلي برعاية هذه المذاعير من النّساء ، والقوم كما تعلم ما هم عليه من الحقد القديم ؟ ! ذلك خطب جسيم يعزّ عليّ مصرع هؤلاء الفتية الصّفوة وأقمار بني هاشم ، ثمّ قالت : أخي ! هل استعلمت من أصحابك نيّاتهم ؟ فإنّي أخشى أن يسلموكعند الوثبة واصطكاك الأسنّة . فبكى عليه السّلام ، وقال : أما واللّه لقد نهرتهم « 2 » وبلوتهم ، وليس فيهم [ إلّا ] الأشوس الأقعس ، يستأنسون بالمنيّة دوني استئناس الطّفل بلبن أمّه ، فلمّا سمع نافع ذلك بكى رقّة ، ورجع ، وجعل طريقه على منزل حبيب بن مظاهر ، فرآه جالسا وبيده سيف مصلت ، فسلّم عليه وجلس على « 3 » باب الخيمة ، ثمّ قال له : ما أخرجك يا نافع ؟ فحكيت « 4 » له ما كان ، فقال : أي واللّه ، لولا انتظار أمره لعاجلتهم وعالجتهم هذه اللّيلة بسيفي ، ثمّ قال نافع : يا حبيبي ! فارقت الحسين عليه السّلام عند أخته ، وهي في حال وجل « 5 » ورعب ، وأظنّ أنّ النّساء أفقن وشاركنها في الحسرة والزّفرة ، فهل لك أن تجمع أصحابك وتواجهّنّ بكلام يسكّن قلوبهنّ ويذهب رعبهنّ ؟ فلقد شاهدت منها ما لا قرار لي مع بقائه ، فقال له : طوع إرادتك .
فبرز حبيب ناحية ونافع إلى جانبه وانتدب أصحابه فتطالعوا من منازلهم ، فلمّا اجتمعوا قال لبني هاشم : ارجعوا إلى منازلكم ، لا سهرت عيونكم ؛ ثمّ خطب أصحابه وقال : يا أصحاب الحميّة وليوث الكريهة ! هذا نافع يخبرني السّاعة بكيت وكيت ، وقد خلّف أخت سيّدكم وبقايا عياله يتشاكين ويتباكين ، أخبروني عمّا أنتم عليه ، فجرّدوا صوارمهم ورموا عمائمهم وقالوا : يا حبيب ! أما واللّه الّذي منّ علينا بهذا الموقف ، لئن زحف القوم لنحصدنّ رؤوسهم ولنلحقنّهم بأشياخهم أذلّاء صاغرين ، ولنحفظنّ وصيّة
هامش
( 1 ) - [ زاد في المعالي : زينب ] .
( 2 ) - [ المعالي : لهزتهم ] .
( 3 ) - [ المعالي : بباب ] .
( 4 ) - [ المعالي : حكي ] .
( 5 ) - [ المعالي : فرجع ] .