بالنّزول عليه ، فلم يجسروا ، فقلت : هذه السّاعة يشرب الماء ، ويقتلنا على آخرنا ، فألقى الشّيطان في فمي الكذب ، فقلت : أدرك النّساء يا حسين ، أنّهنّ هتكن ، والخيمة أخذت ونهبت ، فساق جواده ، وإذا هي سالمة والنّساء كذلك ، فعلم أنّها كانت حيلة ، فأراد الرّجوع ، فلم يتمكّن ، فاستعبر وبكى ، وأنا أضحك على خدعي له ، فصار عليّ ما ترى .
قال عبد اللّه : فاحترق فؤادي ممّا سمعت منه ، فقلت له : صدقت ، اجلس حتّى آتيك بالغداء ، فدخلت البيت ، وأتيت بالسّيف ، فلمّا رأى السّيف قال : هذا كرامة الضّيف عندكم ؟
قلت : هذا كرامة قاتل الحسين ، وعاونوني موالي وخدمي وقطعناه إربا إربا ، لا رحمه اللّه ، وأحرقناه بالنّار ، ألا لعنة اللّه على الظّالمين . الدّربندي ، أسرار الشّهادة ، / 397 - 398
ثمّ قال له : امض إلى الفرات وآتنا الماء ، فقال : سمعا وطاعة ، فضمّ إلى الرّجال ، فمنعهم جيش عمر بن سعد ، فحمل عليهم العبّاس ، فقتل رجالا من الأعداء حتّى كشفهم عن المشرعة ، ودفعهم عنها ، ونزل ، فملأ القربة وأخذ غرفة من الماء ليشرب ، فذكر عطش الحسين وأهل بيته ، فنفض الماء من يده ، وقال : واللّه لا أذوق الماء والحسين وأطفاله عطاشى . ويقول :
يا نفس من بعد الحسين هوني * فبعده لا كنت أن تكوني
هذا الحسين شارب المنون * وتشربين بارد المعين
واللّه ما هذا فعال ديني * ولا فعال صادق اليقين
فأخذته السّهام من كلّ جانب ، فأصابته حتّى صار جلده كالقنفذ ، ويقول :
أقاتل اليوم بقلب مهتد * أذبّ عن سبط النّبيّ أحمد
أضربكم بالصّارم المهنّد * حتّى تحيدوا عن قتال سيّدي
إنّي أنا العبّاس ذو التّودّد * نجل عليّ الطّاهر المؤيّد
ثمّ قاتل قتالا شديدا ، وقتل منهم رجالا ، ويقول :
لا أرهب الموت إذا الموت لقى * حتّى أوارى في المصاليت اللّقا