صنع بك الوليد فإنّه يصلك ويبطل هذا الحدّ عنك ؛ فراح مع عبدالرّحمان في جماعة ولده متوسِّطاً لهم حتّى دخل المسجد فصلّى ركعتين ، ثمّ تساند مع عبدالرّحمان إلى الأسطُوانة ؛ فقائل يقول : لم يُضْرب ، وقائل يقول : أنا رأيته يُضْرَب ، وقائل يقول : عُزّرَ أسواطاً .
فمكث أيّاماً ثمّ رحل إلى معاوية فدخل إلى يزيد فشرب معه ، وكلّم يزيدُ أباه معاوية في أمره فدعا به فأخبره بقصّته وما صنعه به مروان ، فقال : قبّح اللَّه الوليد ما أضعف عقله ! أما استحيا من ضربك فيما شرب ! وأمّا مروان فإنِّي كنتُ لا أحسَبه يبلغ هذا منك مع رأيك فيه ومودّتك له ، ولكنّه أراد أن يضَع الوليدَ عندي ولم يُصب ، وقد صيّر نفسه في حدٍّ كنّا نُنزِّهه عنه ، صار شُرطياً ! ثمّ قال لكاتبه : اكتب : « بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم ، من عبداللَّه معاوية أمير المؤمنين إلى الوليد بن عتبة . أمّا بعد ، فالعجب لضربك ابن سيحان فيما تشرب منه ، ما زدت على أن عرّفت أهل المدينة ما كنت تشربه ممّا حُرّم عليك ، فإذا جاءك كتابي هذا فأبطل الحدّ عن ابن سيحان ، وطُفْ به في حِلَق المسجد وأخبرهم أنّ صاحب شرطك تعدّى عليه وظلمه ، وأنّ أمير المؤمنين قد أبطل ذلك عنه ، أليس ابنُ سيحان الّذي يقول :
وإنِّي امرُؤٌ انْمَى إلى أفضل الورَى * عديداً إذا ارفَضَّتْ عصا المُتحلَّفِ
إلى نَضَدٍ « 1 » من عبد شمس كأ نّهم * هِضابُ أجا « 2 » أركانُها لم تَقَصِّفِ
ميامينُ يرضَون الكفايةَ إنْ كُفُوا * ويَكفُون ما وُلّوا بغير تكلّف
غَطَارِفةٌ « 3 » ساسوا البلاد فأحْسَنوا * سياستها حتّى أقرّت لمُرْدِفِ « 4 »
فمن يك منهم مُوسِرا يُفشِ فضله * ومَن يكُ منهم مُعسِراً يَتَعفَّف
هامش
( 1 ) - النّضد : الأعمام والأخوال المتقدّمون في الشّرف .
( 2 ) - أجا أصله أجأ بالهمزة فأبدل الهمزة فقلبها حرف علّة للضرورة كما في قوله : مثل خناذيذ أجا وصخره . وأجأ أحد جبل طييء ، والآخر يقال له سلمى .
( 3 ) - كذا في جميع الأصول وهو جمع غطريف ، والغطريف : السيِّد الشّريف السّخيّ الكثير الخير . وفي اللّسان مادّة ردف ، وياقوت في الكلام على أجأ : « قلامسة » جمع قلمس وهو السيِّد العظيم ، ويقال للدّاهية من الرّجال .
( 4 ) - اسم فاعل من أردف بمعنى تبع .