فقالت لي هذه الطّفلة : عمّة ! إلى أين يذهب هؤلاء الأطفال ؟ .
قلت لها : إلى منازلهم وأهاليهم .
فقالت لي : عمّة ! ونحن ليس لنا منزل ولا مأوى غير هذه الخربة ؟ . . .
وأنا ، يا أختاه كلّما ذكرت هذا الكلام منها لم تهدأ لي زفرة ، ولم تسكن لي عبرة .
بحر العلوم ، مقتل الحسين عليه السّلام ، / 294 - 296
وفي نفس المهموم ناقلا عن الكامل البهائيّ ، نقلا من كتاب الحاوية : إنّ نساء أهل بيت النّبوّة أخفين على الأطفال شهادة آبائهم ، ويقلن لهم : إنّ آباءكم قد سافروا إلى كذا وكذا .
وكان على ذلك المنوال حتّى كان من أمر يزيد ما كان وكانت للحسين عليه السّلام طفلة لها أربع سنين ، قامت ليلة من منامها ، وقالت : أين أبي الحسين ؟ فإنّي رأيته السّاعة في المنام مضطربا شديدا . فلمّا سمع النّسوة ذلك بكين وبكى معهنّ سائر الأطفال ، وارتفع العويل .
فانتبه يزيد من نومه . وقال : ما الخبر ؟ ففحصوا عن الواقعة ، وقصّوها عليه ، فأمر ( لعنه اللّه ) بأن يذهبوا برأس أبيها « 1 » إليها .
فأتوا بالرّأس الشّريف إليها مغطى بمنديل ، قالوا : إنّه رأس أبيك . فرفعته من الطّشت حاضنة له ، وهي تقول : يا أبتاه ! من ذا الّذي خضّبك بدمائك ؟ يا أبتاه ! من ذا الّذي قطع وريديك ؟ يا أبتاه ! من ذا الّذي أيتمني على صغر سنّي ؟ يا أبتاه ! من بقي بعدك نرجوه ؟
يا أبتاه ! من لليتيمة حتّى تكبر .
وذكر لها من هذه الكلمات إلى أن قال : ثمّ إنّها وضعت فمها على فمه الشّريف ، وبكت بكاء شديدا حتّى غشي عليها فلمّا حرّكوها ، فإذا هي قد فارقت روحها الدّنيا وقبرها في دمشق خلف المسجد الأمويّ .
الزّنجاني ، وسيلة الدّارين ، / 393 - 394
هامش
( 1 ) - [ في المطبوع : « أباها » ] .